الخرطوم: عمرو شعبان
خطواتٌ مُتردِّدة لعينة لأرجل أربعة رجال حاصرهم الكسل على أرض نوري الصغيرة الوادعة السبت الماضين، قبل خمسة أيام من وفاة الراحل، واقتراح خجول يشق آذانهم بدءًا بالزميل عبد الوهاب جمعة من (الصحافة)، والفاضل إبراهيم من (الوطن)، ومصطفى سيد من (ألوان)، لزيارة الرجل المهمة وكتابة ما نستفزه به للإجابة.. ليُغتَيل الاقتراح بخيانة فكرة حِمِّيد في دواخلنا تردّدًا ومهابة، فهو من جنس الطين ومحجوب شريف وأهرام مروي والبجراوية وتاريخ وطن.. أصبحت زيارة حِمِّيد فعلًا ماضٍ مبني على (كان زمان) بعد أن كلفته الأرض أن يرحل فاستأذن راحلًا ب (أرضًا سلاح) بين (نيل وكمنجة).. ونبوءة بالانتقال لمن يفقهون..
بعد هزة الانفصال وجرحه الدامي الذي خلّفه، لم تنقضِ من رحلة فواجع الخرطوم واهتزاز أركانها ثلاثون يومًا أو يزيد برحيل ركن اللحن الوطني وعملاق أفريقيا وردي، إلا وكانت السماء تحكم بهزة أخرى ووجع أكبر في أقسى امتحاناتها لقدرة الجمع على الصبر.. تصاريف القدر وتراسيم السماوات شاءت فقدان ركن الكلمة العفيفة والصدق النبيل والصبر الجميل، الرجل (التّايه)، فتشتدّ “عصرة” القلب بإصابة النقاء السودان بالجرح النازف..
رحل حِمِّيد.. رحل ولسان حاله “الموت ولا العيش المهين” رحل:
راكز يصول..
لا أنَّ لا حنى للجباه
لا خان بصيرتو الانتباه
لا حتى قال ديل مغول..
لا خت آه على عز قديم
رحل بعد أن علّم الأجيال الدندنة ليوم بكره:
بسم الهوى الدغري الأمين
تبدأ العصافير الغناء
يهتز غصن الأزمنة
على راحة المطر الطراوة
الأمنيات المُمكنة
تنجم كل الأزمنة
تنجم كل الأمكنة
لا آهة لا دمعًا يسيل
لا تباريح لا ضنا
لا ليل يليل بالجراح
لا صباح يقيل بالعناء
رحل حِمِّيد وكفُّه مرفوعة للسماء داعيًا “يا معوّض الليل بالصباح.. يا معوّد النار اللهب”، صارخًا بآهاته على الوطن المستف في المطارات القصية، ولاعنًا صمته المكتف في العبارات الندية.. وعندما أعياه الصراخ ذرف دمعته الأخيرة على “وطن مجرد واطه لمّة ناس”، تاركًا تركته من حجر الدغش ونورا والجابرية وست الدار ومصابيح السما التامنة وطشيش، وحب الملايين في السودان الممتد في أرضًا سلاح..
نبوءة الرحيل
(أرضًا سلاح) كانت آخر إهداءات الرجل لعشاقه، كأنما أراد أن يقول وداعًا، وأنه أكمل ما عليه واضعًا أمانة الرحلة ومسؤولية المصير، وربما حمل البندقية للقادمين في عشق الوطن. بندقيته كانت الكلمات التي هَزّت عروش الخبث في الزمن الضنك..
تقول سيرته طبقًا لمحمد عبد الماجد إنه وُلد في أواخر ديسمبر 1956م بقرية جريف نوري بالشمالية، مزامنًا ميلاد الوطن الواحد بالاستقلال. تلقى تعليمه الأولي بنوري الوادعة على ضفاف النيل، أعقبها بالوسطى، ليرحل للدراسة الثانوية من نوري أرض الطورية والطين والزراعة إلى عاصمة الحديد والنار ومهد السكة الحديد إلى عطبرة المتعاهدة منذ فجر التاريخ الوطني على النضال ليكتب الكثير من الأشعار والقصائد..
مسيرة التعليم لم يشأ لها حِمِّيد أن تتواصل، ربما بحكم الظروف أو بإرادة الله، في أن يفضّل الذهاب إلى بورتسودان للعمل بمينائها بدلاً من الانتساب إلى جامعة القاهرة التي قبل بها في العام 1978م، لتتخلّق لونية أخرى من كتاباته وأشعاره، حيث أورد عبد الماجد أن الفترة من 1977 إلى 1983م شهدت كتابة قصائد حِمِّيد التي استشهد فيها بـ(نورا) التي تمثل وطنًا مختلفًا..
سيف الصالح العام وشرعية الأمر الواقع في العام 1992م لم يستثنِ صاحب الكلمة الرطيبة والفهم العميق، فكانت إقالة حِمِّيد من عمله واعتقاله، ليهاجر بعدها إلى السعودية في العام 1996م، مزاملًا القيادي الاتحادي صلاح الباشا، الذي اختزل توصيفه للرجل في قوله لي: “لمست وعن قرب تركيبة حِمِّيد، شخصيته رقيقة المشاعر، تكاد الدموع تضفر من عينيه لأي موقف يهتز له، وهذا ناتج عن شفافية الحسّ والحنية العالية التي كانت تظلل حياته”.
ربما كان الحنين للبلد مبرر العودة، فالمعلوم عن حِمِّيد حنينه وحنيّته الدافقة، ليرى في الهجرة والغربة عقابًا وعذابًا أقسى من كل المعتقلات وأكبر من ظلم الوطن.. لتكون العودة ويتكرّر الاعتقال من مباني صحيفة (المشاهد) أثناء قراءات شعرية ملتهبة تؤسس لشيء جديد.
صوفية سياسي
يشاع بيساريته وانتمائه لمؤسسة الحزب الشيوعي، الذي لم ينكرها أو ينكرها، وحينما سُئل عن ذلك في أحد الحوارات، قال الفقيد: “كوني مصنّف يساري أو أي اتجاه لا تعني لي شيئًا، ولكن دعني أسألك: متى استقرت الأوضاع في السودان حتى يُصنّف هذا باليسار وذاك باليمين؟ فهذا التصنيف منقول من قاموس ليس لنا، ففي بريطانيا والدول التي استقرت فيها الديمقراطية لأمد طويل يمكن أن تُصنَّف الأشياء، ومثل هذا التصنيف لا يُمكن أن يُقال إلاّ في الأيام التي شهدت نشاط السياسية” ليحسم بذلك محاولة تحديد انتمائه لأصغر من وطن وحروف أقل من سودان الغبش..
علاقة وجدل
تميّزت علاقته برجل الأعمال صلاح إدريس، وأثارت عواصف الجدل لدى المراهقين سياسيًا والحالمين بتطرّف الثورة، فوصفه العديدون بالارتماء في أحضان الرأسمال، كما شكّل حضوره في الساحة الاتحادية هواجس المتحدثين بغير علم، زاعمين بانتمائه للحزب الاتحادي والردة اليمينية التي سبق وتجرأوا بها على عبد الخالق محجوب.
وهو الأمر الذي حسمه صلاح الباشا بقوله لي: “طيلة علاقتي بحِمِّيد في السودان وفي المهجر وبعد عودتنا، سعيت لاستجلاء حقيقة انتمائه للاتحادي، فكان يقول لي: الختمية في وجداني وجذورها في مخيلتي، ولا يستطيع أحد أن يلغي الوجدان الختمي من مخيلتي، وفي حفل تأبين الراحل السيد أحمد الميرغني بمسجد السيد علي ألقى حِمِّيد قصيدة عصماء بمعية الشاعر السر عثمان الطيب واختتمها بمقطع ظلت تردده الجماهير في الحشد، “نحن نؤيد حزب السيد”. وأضاف الباشا: “برغم ذلك كان حِمِّيد مؤمنًا بشكل قاطع بالأفكار التقدمية، وتحقيق العدالة الاجتماعية”، مرجعًا ذلك لحرصه على كونه خرج من مجتمع يكابد تحت زمهرير الشمس في فلاحة الأرض على ضفاف النيل بنوري.
وكشف الباشا في حديثه عن احترام الحزب الاتحادي (الأصل) لمعتقدات حِمِّيد السياسية، وقال: “في ذات الوقت نحن نقدر اعتزازه بالطريقة الختمية التي يؤمن بها”.
أي شاعر صوفي
ويبدو أنّ حِمِّيد كان يستشف حجم الجدل الدائر حول نوازعه الصوفية، فقال عنها في ذات الحوار: “معظم السودانيين صوفية، وهذا هو الوضع السائد والموجود، أما الإسلام الجديد أو الإسلام السياسي فقد دخل عبر جهات أخرى، وشاهدت بعض الناس الذين يطرحون أفكارًا إسلامية حركية دخلوا المسايد ونقزوا فيها، وأنا لم أدخل مسيدًا لأنقز فيه، لكن المسيد جوّاي فأنا ختمي واسمي ختمي، وعلاقتي بالختمية قديمة جدًا ومنذ نشأتي، والبلد هناك كلها ختمية، وغير ذلك فإنّ أصدقائي من الصوفيين كثيرون، ودعني أقول لك إن أي شاعر صوفي، واللاّ يبقى شاعر أشياء أخرى”.
قومية حِمِّيد
محمد الحسن سالم حِمِّيد.. رجل بدا متصالحًا في رحلته التي عصفت بها الظنون، مخلّفًا تركةً مثقلة من الحرف الناضح بحب وطن والقائل بحقيقة الانتماء، متصالحًا مع كل السودانيين، وهو ما أكّده حينما حاول الكثيرون اختزال كلماته وشعره وقصائده في موقف سياسي، وقال في إجابة على حوار سابق له: “شيوعيتي هذا حديث ورأي، يمكن أن تتناولوه مع نقد أو مع التجاني الطيب ومع الشيوعيين، ابحثوا عنهم وتناولوا معهم هذا الأمر، ولكن أنا أغني غنائي الأخضر، هذا وغنائي الذي يعبر عني وبالتالي يعبر عن أناس كثيرين جدًا، فيتلاقى مع الشيوعيين فهم أهلي، ويتلاقى مع أنصار السنة فهم أهلي، ودعني أقول لك إن غناءنا هذا لا يتناقض إلا مع جهة فيها “إنّ”، لأنه في إطار الإنسانية الواسعة، ونحن لسنا أبواق لجهات ولسنا واجهات سياسية لجهات أخرى”.
إعادة نشر “الرأي العام”، 21 مارس 2021م
#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #عمرو_شعبان #أرضا_سلاح #نبوءة_الرحيل #بين_السياسي_والصوفي #الختمية #جريف_نوري #عطبرة_الحديد_والنار #نورا_الوطن #صلاح_الباشا #الوعي_التقدمي #غنائي_الأخضر #شعر_العامية #السودان #الصوفية_والشعر #ضريبة_الموقف #الموت_ولا_العيش_المهين #إرث_حميد

Leave a Reply