في رثاء حمِّيد

صحيفة الهدف

أزهري محمد علي
هذه القصيدة كُتبت على أربع مراحل:
المرحلة الأولي :
عند تكريم حمِّيد بالمملكة العربية السعودية (جدة) عام 2001
عندها طُلب من كل شاعر أن يكتب قصيدة عن حمِّيد على وزن قصيدة القدّال:
يا حمِّيد أقيف شوف الخلوق محنانة
عسلك سال بحر فوقو النحل ونَّانة
يات مَن ضاق غرف..
جازاك دبابير دانة
المرحلة الثانية :
عندما عاد حمِّيد الى الوطن في أواخر 2006 و بعد توقيع أتفاقية السلام و قد منعت السلطات قيام ليلته الشعرية بنادي الزومة “يا دي البلاد الكل ما طايبتها فتحت على جرحك جرح”.
المرحلة الثالثة:
عندما ترشّح حمِّيد في الأنتخابات التشريعية في المنطقة – رغم إعتراض كثير من المقربين له على هذه الخطوة
اما المرحلة الأخيرة:
بعد رحيل حمِّيد “مرقت في الليل وحّدك”
ها هي القصيدة كاملة كما نشرت في ديوان طوبى للغرباء
صابرة
مدخل:
يا فطوم
فطن حمِّيد فطمنا غنانا
لا طاطينا لا سبنا الخيول تاطانا
قدمناه إمام لا ضلً لا ضلانا
ما هاب السجون ما فزً من سيطانا
وكت الكور حِما ثابت ركز لبطانها
لكن البلاد باعت أيادي بطانها
عالجها بالرحيل مدت وراهو لسانها
جربها بالعويل قلبت حديثها رطانة
حنسها بالهديل رخت الحبيبة أضانها
زي كل الطيور دايما تحن لوطانها
ما ضاق الوطن بس كبرت الزنزانة
يا دي البلاد الكل ما طايبتها
فتَحت على جرحك جرح
الكل ما نقطلها الكلمات عسل
نزلت على خاطرك ملح
لا تاكت أبوابها الأنيقة ورحبت
لا ليلة لجيتك فرِح
وين نحن؟
هسي في ياتو ليل
في يات صباح!
كل الشوارع تشتبه فيك
وتشابه بعضها
كل البيوت الواقفة طولها
تستبيح في عرضها
وأنا روحي تشتاق لبلاد
كان طيني من طين أرضها
ديك البلاد
اللا بتفوٌت فيك وكت
لا يوم بتترك فرضها
يوماتي واصلها بالحنين
يوماتي هي الفي النوم
تجيلك برضها
إشتقت ليها الشوق غلب
إشتقت أنزع همي
في عتبات بيوتها الواسعة
وأنزع في ضل عصاريها التعب
غنيتها بأدب المديح
سمّت غناي قلة أدب
ومشيت وراها ضريح ضريح
فتشت في كل القُّبب
دقشت وراء الرزق الشحيح
ما أغنى مالها وما كسب
شغلوها بالنبي و المسيح
وإتقاسموها رتب رتب
في كل حتة حصار حصار
في كل فجة لهب لهب
صمدت أمام وابل الرصاص
سقطت أمام وابل الخطب
حنيت عليها من الضَهب
حنيت على زحمة خطاها
التايهة بين رحمة و غضب
حنيت على دمي المشتت
فيها بين زنج وعرب
حنيت ياخي بلا سبب
ما دي البلاد اللّا سلبتها
في الفيافي الشاحبة
مقطوعة رحم
ولا جلبتها للمدائن الصاخبة
مجهولة نسب
ولا رفعتها في الرماح
و لا مرقتها للمنافي
الواسعة تذزوها الرياح
أنا كنت
كل ما الليل يفلّل بندها
يا صابرة حي
يا صابرة حي
يا صابرة حي على الفلاح
يا صابرة حي على الفلاح
يا صابرة حي على الليالي
الفاتحة لوش الصباح
يا صابرة حي علي المدائن
الفاضلة و القول المباح
لو كنت أقدر أنزعك
من مخالب الخوف
وجلجلة السلاح
ما كنت تاني رجعت ليك
خاوي اليدين دامي الخطى
مكسور جناح
ولا كان نسيتك في الزحام
تتعاطي مرّ الذكريات الفاجعة
والخدر الحرام
يا دي البلاد
الكلّ ما طايبتها
طاب ليها في النفق المقام
زوجتها الحلم الجميل
خطبت خفافيش الضلام
غنيتَ ما شاء الهديل
رطنت بما شاء الإمام
راودتني
وروّضت كل الحواس
وهدهدت في صحوي
شهوات المنام
يا طفلة أبلغ من غناي
وأجلّ من كل الكلام
فرّت ضفايرها ضفتين
والرمش تعريشة غمام
والثغر شخبين من حليب
والصدر برجين للحمام
جلست فما أبهى الجلوس
وقامت فما أسمى القيام
دخلت على الناس المسرة
ومرقت على الرض السلام
ويا صابرة ما دام الأسف
آسف على صبرك معاي
آسف على صبرك عَليّ
آسف على صبر السنين المُرّة
عام من بعد عام
وآسف إذا طال الشتات
في الغربة أو عزّ المرام
وآسف إذا طرف المدن
فرّاها أجنحة الخيام
ونذرتِ عمرك للنزوح
للجوع و أسلمة الطعام
ومرقتي في الليل وحّدِك
لاقوكِ تجّار الحروب
قسموك (حمِّيد) وحّدكِ
قامت قيامات الجنوب
يا صابرة قبلك وحدك.. وبراك
بعدك يا صابرة ساء الحال
أريت حال العدو الياباك
سريع النهمة.. في كل الدروب يلقاك
يلقاك… ما لجّاك بي لبن الفطام
ولا ختّاك في دنس المجالس الطافحة
بهوس النظام
ولا غنّاك بزبد القصايد الباهتة
بُتّاب الكلام
“سوقني معاك يا حمام”
سوقني معاك محل ما الحبيبة
قريبة بتراعي الغرام
طرّق لسانك بالغُنا
سمعنا ما نهوى و نحب
وارميهو صوتك في الضلام
حالًا يقوم ذي سنسنة
قوّام تقوم قدامنا في يومنا النّهِب
صوتك دليل العافية للوجعة الهِنا
وصوتك مع أولاد الشوارع
لمّا الشوارع تلتهب
ضاق الوطن عن فكرتك
كشّت شعارات الحزِب
غلباوي لكن ما بتغلبهم
غلباوي لكن ما بتنقلِب
أقلِب كيانهم ومقلبهم
وبي أخويو أخوك ما بتنقلِب
كلّك نظر
يا واعي زرقاء اليمامة
شافت ورا الظلمات شجر
شافت ثعالب بي لحَى
وكل المقالب من جحا
وحاجات كتار ما بتتحسب
والرشحوك هم شرّحوك
أكتب كتابك و انسحب
نحن بنعزك بي غناك
بي كلُّ كلمة بتتكتب
بي كلُّ رفّة شوق وراك
تحسب غيابك و تحتسِب
الرّاحو في الساحات فداك
في زفّة الموت بالغصب
بي صدر مفتوح للرصاص
بي طفل جايع بنتحب
بي قرية طيبة و طيّبين
متطامنة في أقصى الغرِب
فتحولا أبواب الجحيم
نصبولا عيدان الصلِب
وقفت على باب الكريم
وذلّوها زي ذلّة كلِب
رفعوا المصاحف في الرماح
وحكمونا بي “قلبٌ قلِب”
ما تتطاطي غنوات النضال
لو دقوا مزيكة الحرِب
أنا و إنت وأولاد الحلال
راح لينا في الموية الدرب
أيدينا في النار
والسياط
أدَمتنا من كُتر الضرِب
ما تشرفهم بي وقفتَك
في كل صندوق قنبلة
أطنان من الزيف والكضب
كل الخوازيق زي بعض
رغم أختلاف طرق اللِّعِب
ليه كل ما ضاق الخِناق
وحضرنا لم يحضر أحد
تاوقنا من آخر زقاق
مفتوح على قاع اللحد
وهتفنا من خلف الرفاق
غنينا “فليحيا البلد”
قرصتنا أوجاع المناحات
وأصبحنا نحنا اللا بلد
دبّت دواهي الواطة
والرِجل الغريبة
شكينا من تعب التجاعيد والرمد
و سألنا:
“كيف أمسيت هناك يا صاحبي
في البرزخ لعلك طِيبة؟”
مبسوط والأمور مستورة
والنفس الرضية رطيبة
إخوان الصدق تلقاهم
ضاربين الهوى الترطيبة
أجمل من طيور الجنة
في الروضة البفوّح طيبها
يا صاحبي الصدق باب الله
والعند الله حاجة قريبة
أقرب من مسافة طرفة
لو بقت البصيرة خصيبة
نان قايل وراك صدقنا
غير صدقًا تخالطو الريبة
نحنا المن دواعي الغفلة
سمينا الحقيقة مصيبة
كلّنا في كمين الكتمة
والكلمة العلى التشطيبة
فازعين في غناك ما طُلنا
من شجر المعاني حِطيبة
ما علّبنا نار بالمرّة
ما دخلت غنانا حبيبة
ينفك الهوى وينصرّ
بين شهقة دليب وحقيبة
عرديب المراثي المُرّة
اوجاع الرحيل والغيبة
نتغالط كتابة و طُرّة
في عين العدو البتصيبها
إنت الفي المجالس غُرّة
في راس القصائد شيبة
علّيت المعاني مباني
لو تقبل تشيلنا قَليبة
صلصال الخليقة الأولى
أسرار المعاني عجيبة
تنهل من حياض الفكرة
تملاها القرب في السّيبا
وين سر الشِعر ختّيتو
في الفجة الورا القوسيبا؟
ولّا حقبتو و إتوكلتَ،
شأن ذاتها الكتابة نسيبها
كيف أمسيت هناك يا صاحبي
في البرزخ لعلّك طيبة

 

#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #أزهري_محمد_علي #يا_صابرة #مرقت_في_الليل_وحدك #طوبى_للغرباء #سوقني_معاك_يا_حمام #أدب_المقاومة #البرزخ #نوري_والزومة #شعر_العامية #السودان #رفقاء_الدرب #زرقاء_اليمامة #الثورة_والوعي #قصيدة_الأربع_مراحل #حميد_الخالد #وجع_المنافي #خاتمة_المسك

 

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.