(ما بين حميِّد والأبنودي): جوابات فاطنة عبدالغفار وست الدار

صحيفة الهدف

إنصاف الشفيع

للراحل العظيم محمد الحسن سالم حميِّد وأشعاره مكانة خاصة وسامية في نفوس كل السودانيين. تمثّل أشعاره المغناة وغير المغناة محطات لا يمكن تجاوزها في مسيرة الشعر والغناء في السودان.
إحاطة شاملة بكل ما كتب حميِّد قد تبدو مستحيلة، إلا أنني فضلت هنا تناول جانب مختلف، بإجراء نوع من المقارنة مع شاعر عظيم آخر، نالت أشعاره كثير محبة واعتزاز في نفوس أهل السودان، وهو الشاعر المصري الكبير عبد الرحمن الأبنودي.
مصداقًا لذلك، فقد كنت حاضرًا لليلة أحياها الأبنودي بدار النشر، جامعة الخرطوم أوائل تسعينيات القرن الماضي، فمازح الحاضرين بقوله:
“أنا جمهوري من السودانيين بخوِّف بيهم.”
تتشابه تجربة الشاعرين حميِّد والأبنودي من عدة جوانب: فكلاهما كانت لغة شعره الغالبة هي العامية. الأبنودي كتب بعض القصائد باللغة الفصحى، إلا أن ذلك لم يكن اتجاهًا أساسيًا في تجربته الشعرية، واشتهر أساسًا كشاعر عامية باللهجة المصرية. كذلك كتب حميِّد نصوصًا محدودة بالفصحى، لكن تميّزه وتأثيره الأكبر جاء في مجال الأشعار المكتوبة بالعامية السودانية.
كما تشابه الشاعران في تأثرهما بالأفكار اليسارية وقضايا العدالة الاجتماعية، وتعرّضا لتجربة الاعتقال نتيجة تناول هموم الفقراء والمهمشين وانتقاد الظلم والسلطة في أشعارهما.
كتب الأبنودي (جوابات حراجي القط) في منتصف ستينيات القرن العشرين أثناء عمله بالقرب من مشروع السد العالي، والتي تعتبر واحدة من أشهر أعماله. جاءت على شكل خطابات متبادلة بين العامل في بناء السد (حراجي) وزوجته (فاطنة أحمد عبد الغفار). النصوص غاية في الروعة، صوّرت مشاعر الحنين والغربة حياة العمال، بالإضافة إلى التحولات الاجتماعية التي أعقبت تلك الفترة.
أما قصيدة (جوابات ست الدار) لحميِّد، والتي قيل إنها نشرت في منتصف السبعينيات (ومعروف أنه اعتمد على النقل الشفاهي أكثر من الكتابة والنشر)، فجاءت في صيغة خطابات بين (الزين ود حامد) العامل بأحد المصانع في الخرطوم بحري، وزوجته (ست الدار) بقرية نوري بشمال السودان، بصورة تذكّرنا بـ(جوابات حراجي القط). وقد ذكر الراحل حميِّد في حديث لأحد أصدقائه أنه استلهم فكرة القصيدة من هذا العمل الرائع للأبنودي.
تبدو أول أوجه الشبه بين القصيدتين في تشابه الأسر: أسرة حراجي تتكون من زوجته فاطنة وأبنيه عيد وعزيزة، بينما أسرة الزين تتكون من زوجته ست الدار وأبنائه راشد والتومات.
يخاطب الأبنودي فاطنة بلسان الزوج المحب حراجي، فيقول:
“زوجتي وأم أولادي،
توبي ولحم رقبتي، فاطنة أحمد عبد الغفار،
زوجتي وأختي، ستري وغطايا.”
ويبدو الشبه جليًا في نص حميِّد حين يخاطب الزين ست الدار قائلاً:
“ست الدار سامعاني يخيتي؟ ومرتي وامي وأم الكل.”
تدور بين الزوجين في كلا القصيدتين أحاديث عن الأمور اليومية في القرية: الأحداث العادية، والمصروفات، والهموم العائلية. فالأبنودي يخبرنا بلسان فاطنة:
“مرزوق البسطاوي مرتو وضعت حدفت ولدين.”
أما حميِّد فيبشر الزين على لسان ست الدار:
“ما قُتْ لَك زغرد يا الزين.. بت تامزين جابتلها بت. ستة ولاد حتان البت.”
ويتواصل الحديث بين الزوجين عن الأمور المالية وكيفية توزيع المبلغ المرسل من الزوج المغترب:
الأبنودي يوجّه إلى فاطنة:
“أول ما تفكي الخمسة جنيه وأدي حساب عمران وجنيه بمبة الصباغ.”
أما ست الدار فتكتب للزين:
“المبعوتة المنك وصلت،
ورُح فكيت الطلب الفوقنا..
باقي الدين يا الزين خلصتو..
قدر الفاضل مصروف راشد والتومات والجايات من جاي لا جاي.”
تتوالى الأحداث ويتوالى التصوير البديع من كل شاعر للحالة في القرية، والتغيرات في المدينة. برغم اختلاف نهاية كل قصة عن الأخرى، إلا أن الشبه واضح وملاحظ. تنتهي قصة حراجي بتمرده ورفضه العودة لقريته الصغيرة رغم رجاءات فاطنة له:
“ارجع يا حراجي، ارجع وادفى في بيتك وعيالك.”
بينما ترسل ست الدار نفس النداء والرجاء للزين ود حامد بعد تعرضه للفصل من المصنع:
“بس يا الزين لو درت مشورتي،
تجي مندلي وبي جاي جاي بندبَّر حالك”..
الا أن الأمر ينتهي بتعرضه للاعتقال مرة أخرى كما يُفهم من نهاية القصيدة.
رحم الله حميِّد والأبنودي، فقد كانا علامة فارقة في تاريخ القصيدة العامية في الوطن العربي، وجعلوا من العامية أداة للتعبير عن الواقع الاجتماعي والسياسي والإنساني، وحوّلوا اللغة البسيطة إلى أدوات شعرية عميقة تصل إلى وجدان القارئ والمستمع.

#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #إنصاف_الشفيع #عبد_الرحمن_الأبنودي #جوابات_حراجي_القط #فاطنة_عبد_الغفار #ست_الدار #الزين_ود_حامد #أدب_الرسائل #شعر_العامية #السودان #مصر #وحدة_النيل #الواقعية_الاشتراكية #صوت_العمال #نوري #أبنود #الخالدون #التناص_الشعري

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.