حميِّد.. حين يصبح الشعر طريقة حياة لا كتابة

صحيفة الهدف

د.أشرف مبارك

لا يمكن النظر إلى شعر محمد الحسن سالم حميِّد بوصفه نصًا مكتوبًا فحسب، بل كطريقة للعيش، والتقاط تفاصيل العالم كما هي، دون فلترة أو تجميل، أو فصل بين السياسي واليومي والإنساني. عنده تتساوى القصيدة مع الرسالة، والتلغراف، والحديث العابر في السوق، وصوت البيت، حتى يصبح النص امتدادًا مباشرًا للحياة نفسها.
ليس الشعر عنده بناءً لغويًا فوق الواقع، بل هو الواقع يتكلم بلغته الخام.
الإنسان قبل النص:
المادة الخام للشعر في عالم حميِّد هي الإنسان. الإنسان ليس فكرة مجردة، بل كائن محاصر داخل تفاصيل دقيقة: مصروف يومي، سوق متعب، بيت يشتبك مع السياسة، تعليم هش، وغربة داخل الوطن نفسه. لكن هذا الإنسان لا يُقدّم كضحية فقط، بل كجزء من نسيج اجتماعي كامل، يتحرك ويخطئ ويأمل ويقاوم، دون أن يخرج من دائرة الحياة اليومية.
العالم كنص مستمر:
في نصوص مثل )الجابرية( و(عم عبد الرحيم)، لا توجد قصائد منفصلة، بل نهر سردي واحد تتغير فيه الأصوات والأسماء والأماكن دون أن ينقطع المعنى. القرية ليست خلفية، بل كائن حي: يفرح، ينكسر، ينتظر، ويُخدع أحيانًا. هنا تظهر الفكرة المركزية: الخيبة ليست حدثًا سياسيًا فقط، بل تجربة اجتماعية كاملة تعيشها الجماعة. وفي نصوص مثل (قص البلد)، ينهار المعنى قبل انهيار الواقع، ولا نعود إلى حكاية محددة، بل ندخل إلى حالة أوسع: اللغة تتفكك، الصور تتداخل، الزمن ينكسر، والمعنى يصبح غير مستقر. هنا لا توجد قصة يمكن تتبعها، بل إحساس بأن الواقع لم يعد واضحًا، واللغة لم تعد كافية، والحياة فقدت قدرتها على التفسير. إنها مرحلة ما بعد السرد، حيث يتحول الوطن إلى ارتباك وجودي.
رسائل ست الدار:
في نص (رسائل ست الدار بت أحمد جابر إلى الزين ود حامد)، يتحول السودان إلى أرشيف حي. تصبح الرسالة نفسها شكلاً من أشكال الوجود. (ست الدار) ليست شخصية فردية، بل صوت البيت والشارع والذاكرة، و“الزين ود حامد” هو الإنسان العادي الذي تُحمّل عليه أخبار البلد كلها. داخل النص، لا نقرأ قصيدة، بل نعيش أرشيفًا حيًا: رسائل عن المصروف والبيت والتمور، تلغرافات من الخرطوم وبحري وقطر، أخبار المصنع والعمال والسياسة وأصوات السوق والقرية والمدينة، كل ذلك يتجاور بلا فواصل صارمة، لأن الحياة نفسها عند حميِّد لا تعترف بالفصل بين الخاص والعام.
التلغراف كوعي:
دخول التلغراف في النص ليس تقنية سردية فقط، بل تحول في شكل الوعي: العالم لا يُروى كقصة متصلة، بل كأخبار متقطعة تصل متأخرة، ناقصة، ومشحونة بالقلق. الأسماء تتحرك: المحجوب في قطر، راشد في القرية، الزين في المصنع والبيت في انتظار الرسائل. الزمن هنا لا يسير بخط مستقيم، بل يتكسر إلى إشارات.
المصنع:
حين يتحول الاقتصاد إلى مأساة إنسانية. في لحظة مفصلية داخل الرسائل، ينتقل النص إلى المصنع: إدارة أجنبية، قرارات تسريح، احتجاجات العمال، تدخل البوليس، اتهامات سياسية، لكن الأهم ليس الحدث، بل أثره: 200 عامل = 200 أسرة = 200 مصير معلق. في هذه اللحظة، يتحول الاقتصاد إلى مأساة جماعية، ويتحول القرار الإداري إلى جرح اجتماعي مفتوح.
ست الدار:
الوعي الشعبي في مواجهة العالم. رغم كل هذا، يبقى صوت “ست الدار” مركزًا أخلاقيًا للنص: تسأل، تعلّق، تخاف، وتقاوم بالفهم البسيط للعالم. ليست مثقفة ولا سياسية، لكنها تمتلك ما هو أهم: قدرة الإنسان العادي على رؤية الخلل دون أدوات نظرية معقدة.
اللغة:
أحد أسرار تجربة حميِّد أن اللغة لا تُصقل ولا تُهذّب: عامية سودانية حيّة، فصحى مكسورة أحيانًا، رسائل ناقصة، جمل تتكسر مثل الواقع. هذا الأسلوب يجعل النص أقرب إلى تسجيل صوتي لحياة كاملة وهي تحدث في لحظتها.
السودان كنص:
في النهاية، ما يفعله حميِّد ليس كتابة شعر عن السودان، بل كتابة السودان نفسه كنص: بلد يتكلم عبر الرسائل، يعيش عبر التلغراف، يفكر عبر الأسماء، ويحزن عبر التفاصيل اليومية. لا توجد مسافة بين النص والواقع، لأن النص هو الواقع وهو يتكلم.
في تجربة محمد الحسن سالم حميِّد، الشعر ليس فنًا منفصلًا عن الحياة، بل يصبح طريقة لرؤية العالم وهو يحدث. القصيدة تتحول إلى بيت، الرسالة إلى ذاكرة، التلغراف إلى زمن، والإنسان إلى مركز شبكة كاملة من المعاني المتداخلة.
السؤال الذي يطرحه هذا العالم كله: هل يمكن أن نكتب حياة كاملة دون أن نفصل بين ما هو شعر وما هو واقع؟ عند حميِّد، الإجابة ليست نظرية، بل تجربة تُقرأ وتُعاش. فهو لا يكتب عن الحياة، بل يجعل الشعر شكلاً من أشكالها. لا يرفع الواقع إلى الشعر، بل ينزل الشعر إلى الواقع. لا يصنع لغة خاصة، بل يترك الناس يتكلمون بلغتهم داخل النص. لا يخلق بطلاً، بل المجتمع كله يتحرك داخل القصيدة. لا توجد لحظة انتصار حاسمة أو سقوط درامي واضح، بل استمرار الحياة رغم فقدان معناها التدريجي: لا بطولة، لا نهاية، لا خلاص واضح، فقط استمرار متعب يعيد نفسه.

#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #د_أشرف_مبارك #أنطولوجيا_الحياة #أرشيف_السودان #ست_الدار #الزين_ود_حامد #سردية_الهامش #قص_البلد #التلغراف_الشعري #شعر_العامية #السودان #الوعي_الجمعي #الاقتصاد_كإنسانية #تفكيك_الواقع #اللغة_الخام #ما_بعد_السرد #نص_الحياة #المركز_الأخلاقي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.