الدولة القطرية والمشروع القومي العربي: من حدود التجزئة إلى أفق التحرر

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف ابوعكرمة

لم تولد الدولة القطرية في الوطن العربي بوصفها تعبيرًا طبيعيًا عن تطور اجتماعي داخلي، بل تشكّلت في سياق تاريخي محكوم بإرادة خارجية، أعادت رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة وفق منطق الهيمنة لا وفق منطق التاريخ. ومنذ تلك اللحظة التأسيسية، لم تكن هذه الدولة كيانًا مكتمل السيادة، بل إطارًا وظيفيًا، يوازن بين إدارة الداخل وضبطه، وبين الانخراط في منظومة دولية لا تسمح له بالتحرر الكامل. ومن هنا، فإن الإشكالية لا تكمن في وجود الدولة القطرية بحد ذاته، بل في طبيعة تكوينها، ووظيفتها، وحدود قدرتها على التعبير عن إرادة أمة تتجاوزها تاريخيًا وثقافيًا.

لقد جاءت الدولة القطرية كحلّ سياسي لمسألة السيطرة، لا كحلّ حضاري لمسألة الوحدة. فحدودها لم تُرسم استنادًا إلى وحدة اقتصادية أو اجتماعية، بل وفق اعتبارات جيوسياسية جعلت منها وحدات منفصلة، قابلة للإدارة والتأثير، وأكثر قابلية للاختراق. وبهذا المعنى، فإنها لم تكن نهاية للتجزئة، بل تثبيتًا لها في شكل مؤسسي.

غير أن هذه الدولة، على الرغم من نشأتها الوظيفية، لم تكن دائمًا مجرد أداة. ففي مراحل تاريخية معينة، تحوّلت بعض الدول القطرية إلى حواضن لمشاريع قومية، حاولت إعادة توظيف الدولة لصالح مشروع أوسع. وهنا تظهر جدلية عميقة: الدولة التي نشأت في سياق التجزئة، يمكن أن تتحول—بفعل الإرادة السياسية—إلى أداة في مشروع الوحدة.

لكن هذه الإمكانية ظلت محدودة، لأن البنية العميقة للدولة القطرية بقيت أسيرة منطقها الأصلي. فهي، بحكم تكوينها، تميل إلى حماية ذاتها، وإعادة إنتاج حدودها، حتى عندما ترفع شعارات تتجاوزها. فالدولة، عندما تستقر، تطوّر مصالحها الخاصة، ونخبها، وأجهزتها، التي ترى في أي مشروع وحدوي تهديدًا لبقائها. وهكذا، يتحول التناقض من كونه بين القطرية والقومية، إلى تناقض داخل الدولة نفسها: بين وظيفتها الأصلية ككيان محدود، وإمكانية تحولها إلى رافعة لمشروع أوسع.

لقد أدى هذا التناقض إلى نتائج عميقة في الواقع العربي. فمن جهة، أنتجت الدولة القطرية نوعًا من الاستقرار النسبي، مكّن من بناء مؤسسات، وتطوير بعض القطاعات. لكنها، من جهة أخرى، كرّست حالة من الانفصال البنيوي بين الأقطار، وأضعفت القدرة على بناء قوة عربية مشتركة، سواء في المجال الاقتصادي أو الدفاعي أو السياسي.

ومع مرور الزمن، تحوّل هذا الانفصال إلى ما يشبه (الواقع الطبيعي)، بحيث أصبحت الوحدة تُرى كحلم، لا كمسار تاريخي ممكن. وهنا تكمن أخطر آثار الدولة القطرية: ليس في حدودها الجغرافية، بل في إعادة تشكيل الوعي، بحيث يتكيّف مع التجزئة، ويعيد إنتاجها فكريًا وسياسيًا.

لكن، في مقابل ذلك، فإن التحولات العالمية الراهنة تعيد طرح السؤال من جديد. فالعالم يتجه نحو التكتلات الكبرى، والقوى الإقليمية تعيد تنظيم نفسها في أطر أوسع، بينما تبقى الدولة القطرية العربية—في كثير من الحالات—أضعف من أن تواجه التحديات منفردة، وأضيق من أن تستوعب إمكانات الأمة. لم يعد العالم يُدار بوحدات سياسية صغيرة، بل بتكتلات كبرى تفرض شروطها على الآخرين، ومن لا ينتمي إلى هذه الكتل يتحول إلى ساحة نفوذ لا إلى فاعل فيها.

اليوم، وفي ظل التصاعد المتسارع للصراع في المنطقة، خاصة في إطار المواجهة المركبة التي تتداخل فيها مصالح الامبريالية الامريكية والكيان الصهيوني مع إيران، يتكشف مجدداً محدودية الدولة القطرية حين تواجه منفردة مشاريع إقليمية ودولية كبرى. فالدولة التي لا تملك عمقاً استراتيجياً قومياً، ولا سنداً تكاملياً عربياً، تجد نفسها إما ساحة للصراع، أو طرفاً هامشياً فيه. إن أخطر ما كشفته التحولات الراهنة هو أن الأمن القومي لم يعد شأناً قطرياً. فالأمن الغذائي، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، فالتكامل الاقتصادي العربي لم يعد خياراً تنموياً، بل ضرورة لتأمين الحد الأدنى من الاستقلال في مواجهة تقلبات الأسواق العالمية. كلها مجالات تتجاوز قدرة الدولة القطرية المنفردة، وتحتاج إلى أطر تكاملية أوسع. وهذا ما يجعل المشروع القومي ليس فقط خياراً سياسياً، بل شرطاً للبقاء في عالم التكتلات. وهكذا، تعود الإشكالية القومية لا بوصفها حنيناً فكرياً، بل كضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة الصراع ذاته. وهنا يظهر البعد الاستراتيجي للمسألة: هل يمكن الاستمرار في إطار الدولة القطرية كصيغة نهائية، أم أن الضرورة التاريخية تفرض تجاوزها نحو شكل أكثر اتساعًا؟

إن الإجابة لا تكمن في إلغاء الدولة القطرية، بل في إعادة تعريفها. أي تحويلها من غاية إلى وسيلة، ومن إطار مغلق إلى حلقة في مشروع أوسع. فالدولة، في جوهرها، ليست كيانًا ثابتًا، بل بناء تاريخي قابل للتحول. وما يبدو اليوم نهائيًا، قد يصبح غدًا مرحلة.

في هذا الأفق، تتبلور رؤية حزب البعث العربي الاشتراكي للدولة القطرية لا بوصفها نقيضًا للمشروع القومي، بل كإحدى أدواته التاريخية. فالدولة القطرية، في التصور البعثي، ليست كيانًا يجب تحطيمه، ولا إطارًا نهائيًا ينبغي التسليم به، بل مرحلة من مراحل تطور الأمة، تُوظَّف في خدمة مشروعها الأكبر. ومن هنا، فإن العلاقة بين القطرية والقومية ليست علاقة إلغاء، بل علاقة جدلية تقوم على التفاعل والتجاوز عبر الفعل التاريخي.

فالوحدة، في هذا السياق، لا تُفرض قسرًا، ولا تُختزل في شعارات، بل تُبنى عبر تعميق عناصر القوة داخل كل قطر، وتحرير قراره السياسي، وبناء اقتصاده الوطني، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية فيه. فكل قطر عربي، حين ينجح في تحقيق قدر من الحرية والسيادة والتنمية، لا يعزز ذاته فقط، بل يضيف لبنة في بناء المشروع القومي الأشمل.

أما الحرية، فهي ليست مجرد مطلب سياسي داخلي، بل شرط تاريخي لتحرر الأمة بأسرها؛ إذ لا يمكن لأمة مقيدة داخليًا أن تكون مستقلة خارجيًا. وكذلك الاشتراكية، في بعدها القومي، لا تُطرح كنموذج اقتصادي معزول، بل كإطار لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحرير الإنسان العربي من الاستغلال، بما يؤسس لوحدة قائمة على المصالح المشتركة لا على الشعارات المجردة. ليست المشكلة في حدود الدولة، بل في حدود وعيها بذاتها.

ومن ثم، فإن المشروع القومي، في الرؤية البعثية، لا يقوم على تجاوز الدولة القطرية من خارجها، بل على العمل من داخلها، وإعادة توجيهها تدريجيًا، حتى تتحول من حدود فاصلة إلى جسور تواصل، ومن كيانات مغلقة إلى مكونات في بناء وحدوي تحرري أشمل.

إن المشروع القومي العربي، في هذا السياق، لا يُطرح بوصفه نقيضًا للدولة القطرية، بل بوصفه أفقًا لتجاوز محدوديتها. فهو لا ينكر الحاجة إلى الدولة، بل يعيد توجيهها، من خدمة الذات القطرية الضيقة، إلى خدمة الكلّ العربي الأوسع. غير أن هذا التحول لا يمكن أن يتم بقرار سياسي فقط، بل يحتاج إلى إعادة بناء الوعي. فالوحدة ليست مجرد اندماج مؤسسات، بل إعادة تشكيل للانتماء، بحيث يصبح الانتماء القومي إطارًا أوسع يحتوي الانتماء القطري، لا يلغيَه.

وفي هذا السياق، يؤكد ما صدر عن المؤتمر القومي العربي الثالث عشر (2026) أن التحدي المركزي الذي تواجهه الأمة العربية اليوم يتمثل في (إعادة بناء المشروع القومي على أسس واقعية، تربط بين الدولة القطرية كضرورة مرحلية، والوحدة العربية كأفق استراتيجي)، كما شدد البيان على أن أي مشروع نهضوي عربي لا يمكن أن يتحقق دون (تحرير القرار الوطني، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وبناء منظومة أمن قومي عربي مشترك).

ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست جغرافية، بل فكرية وتاريخية. معركة بين تصورين: تصور يرى في الدولة القطرية نهاية التاريخ السياسي العربي، وتصور يرى فيها مرحلة يجب تجاوزها. إن الدولة القطرية لم تعد مجرد إطار سياسي، بل أصبحت سؤالاً تاريخياً مفتوحاً: إما أن تتحول إلى قاعدة لبناء مشروع عربي تحرري، أو تبقى أداة لإعادة إنتاج التبعية في أشكال جديدة. وفي زمن تتكثف فيه الصراعات، وتُعاد فيه صياغة خرائط النفوذ، لا يكون البقاء للأقوى فقط، بل للأكثر قدرة على التنظيم والتكامل. ومن هنا، فإن المعركة لم تعد بين القطرية والقومية، بل بين مشروعين: مشروع يُبقي الأمة مجزأة في عالم التكتلات، ومشروع يعيد بناءها كقوة تاريخية قادرة على الفعل. فإما أن تتحول الدولة القطرية إلى أداة في مشروع التحرر، أو تبقى إطاراً لإدارة التبعية. والتاريخ، كما لم يُكتب مرة واحدة، لن يُكتب هذه المرة دون إرادة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.