كلمة العدد

صحيفة الهدف

في الثامن من مارس من كل عام، يقف العالم أمام مناسبة ليست للاحتفال فقط، بل للتذكير بتاريخ طويل من النضال من أجل العدالة والمساواة. تعود جذور هذا اليوم إلى حركات العاملات في مطلع القرن العشرين، وتكرّس رسميًا عبر الأمم المتحدة منذ عام 1975، ليصبح منصة عالمية للاعتراف بإنجازات النساء الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والدعوة إلى إنصافهن.

وفي هذه المناسبة، لا يُنظر إلى قضية المرأة بوصفها شأنًا محليًا أو اجتماعيًا فحسب، بل بوصفها قضية إنسانية كبرى تمتد عبر القارات والثقافات. فالمرأة العربية والأفريقية، على اختلاف البيئات والظروف، ظلت عبر التاريخ جزءًا أصيلًا من معارك التحرر الوطني والتنمية الاجتماعية وبناء المجتمعات. من رائدات التعليم والعمل العام، إلى المناضلات في حركات التحرر، وصولًا إلى القيادات النسائية في السياسة والثقافة والاقتصاد، سطّرت المرأة العربية والأفريقية صفحات مشرقة من الصمود والإبداع.

لقد كانت المرأة في كثير من بلدان العالم العربي وأفريقيا شريكة في معارك الاستقلال، ومساهمة في بناء الدولة الحديثة، ومحرّكًا أساسياً في الحفاظ على تماسك المجتمعات في أوقات الأزمات والحروب. وفي الريف كما في المدن، في ميادين العمل كما في ساحات الفكر والثقافة، أثبتت أنها ليست مجرد طرف متأثر بالأحداث، بل فاعل رئيسي في صياغتها.

لكن حين نُسقط هذه المناسبة على واقع المرأة السودانية اليوم، تتبدّل نبرة الاحتفال إلى وقفة تأملٍ مثقلة بالألم.

فالمرأة في السودان لا تواجه فجوة في الأجور أو تمثيلاً ناقصًا في السياسة فحسب، بل تعيش في قلب حربٍ أكلت الأخضر واليابس. هي النازحة في معسكرات اللجوء، والمشرّدة بين المدن، والحائرة بين حدودٍ مغلقة ومصيرٍ مجهول. هي من فقدت الابن أو الزوج أو العائل، وتحملت فجأةً عبء أسرةٍ كاملة في واقعٍ ينهشه الغلاء والجوع وانعدام الدواء.

في زمن الحرب، تتضاعف هشاشتها. تتعرض للاغتصاب كسلاح إذلال، وللاستغلال تحت وطأة الحاجة، حيث يتحول الطعام والأمان إلى أوراق ضغطٍ على جسدها وكرامتها. تموت بصمت بسبب نقص العلاج، أو بسبب رحلة نزوحٍ طويلة لا تصل نهايتها. مستقبلها، كما مستقبل أطفالها، يتهدده الظلام.

ومع ذلك، لم تكن المرأة السودانية يومًا مجرد ضحية.

في ثورة ديسمبر المجيدة، أثبتت قدرتها على القيادة والتنظيم والصمود. كانت في الصفوف الأمامية، تهتف، وتداوي، وتكتب، وتوثّق، وتحلم بوطنٍ يسع الجميع. دفعت ثمنًا باهظًا: اعتُقلت، وعُذّبت، وقُتلت. من “التاية” إلى “ست النفور”، وأخيرًا ضاعت الأسماء كما ضاعت الأعداد من كثرتها بعد حرب 15 أبريل. ومن المدن الكبرى إلى القرى البعيدة، سطّرت النساء صفحاتٍ من الشجاعة ستظل علامة فارقة في تاريخ السودان.

وفي السياق ذاته، تقف المرأة الفلسطينية مثالًا آخر على تداخل معاني الصمود الوطني مع معاناة المرأة اليومية. فهي الأم التي تحرس الذاكرة وتورث أبناءها معنى الأرض، وهي الأسيرة التي قاومت السجن، والطبيبة والممرضة والصحفية والمعلمة التي تواصل العمل تحت القصف والحصار. وفي غزة والضفة والقدس، تحمل المرأة الفلسطينية عبء الفقد والتهجير والحصار، لكنها تظل حارسة الرواية الوطنية، وشاهدة على التاريخ، وصانعة للحياة وسط الركام.

وإذا كانت المرأة السودانية تواجه اليوم مآسي الحرب والنزوح، فإنها تلتقي في تجربتها مع كثير من نساء العالم العربي وأفريقيا اللواتي عرفن معنى الصمود في مواجهة الحروب والأزمات. فالألم مشترك، لكن كذلك الإرادة في البقاء وصناعة الأمل.

في عيد المرأة، لا تكفي الورود ولا الشعارات.

التحية للمناضلات من الرعيل الأول، اللواتي فتحن الطريق وواجهن القهر في زمنٍ أشد قسوة.
التحية للعاملات في المهن الهامشية، بائعات الشاي، والمزارعات، والعاملات في الأسواق، اللواتي يحملن اقتصاد الأسر على أكتافهن.
التحية للأمهات الصابرات، للسياسيات الصامدات، لسيدات الأعمال الناجحات، ولكل امرأة سودانية تصنع من الرماد بذرة أمل.

والتحية كذلك لنساء العالم العربي وأفريقيا اللواتي يواصلن النضال من أجل الكرامة والحرية والمساواة، وللمرأة الفلسطينية التي تكتب بصبرها اليومي واحدة من أكثر قصص الصمود إنسانية في عصرنا.

في الثامن من مارس، لا نحتفل فقط بإنجازات المرأة السودانية، بل نجدد العهد بأن قضاياها ليست شأنًا نسويًا معزولًا، بل قضية وطنٍ كامل.

فلا سلام بلا عدالة،
ولا عدالة بلا إنصاف النساء،
ولا مستقبل للسودان دون نسائه.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.