تطبيع العبث في الدولة

صحيفة الهدف

د.أحمد الليثي

عندما صار الحصان عضوًا في مجلس شيوخ روما، لم تكن الفضيحة في الحصان، بل في المجلس الذي وجد في الصمت ما يكفي ليمنحه شرعية الجلوس. لم يكن المشهد عن حيوانٍ تجرأ على السياسة، بل عن سياسةٍ تخلّت عن معناها حتى صارت قادرة على استيعاب العبث دون احتجاج. هكذا تُولد اللحظات الفاصلة في تاريخ الدول: لا بانقلابٍ صاخب، بل بإيماءة سخرية تمرّ بلا مقاومة.
تُنسب الحكاية إلى الإمبراطور الروماني كاليغولا، سواء وقعت حرفيًا أم استُخدمت كتهديدٍ رمزي. وفي الحالتين، الرسالة واحدة: المؤسسة التي تفقد استقلالها لا تحتاج إلى من يهدمها؛ يكفي أن تُهان علنًا لينكشف خواؤها. السخرية هنا ليست نكتة، بل سياسة كاملة الأدوات، تُفرغ المنصب من مضمونه وتُبقي عليه كديكور.
هذا المنطق لا ينتمي إلى روما وحدها. إنه يعبر الأزمنة ليطلّ اليوم على السودان بوجهٍ مألوف. حين تُدار الدولة بمنطق الأمر الواقع، وحين تُستبدل الكفاءة بالولاء، والمساءلة بالمجاملة، يصبح المنصب قابلًا للتبادل، وتغدو المؤسسة قاعة انتظار. لا يُسأل من يجلس على الكرسي بقدر ما يُتغاضى عن معنى الكرسي نفسه. في واقعٍ كهذا، لا يعود العبث صادمًا. الصدمة الحقيقية أن يمرّ بلا سؤال.
تُشكَّل اللجان لتبارك، لا لتراجع. تُعقَد المجالس لتُصدّق، لا لتناقش. تُرفع الشعارات لتُغطي الفراغ، لا لتقوده. ومع كل خطوة، يتآكل المعنى العام، ويصير الصمت فضيلة، والاعتراض عبئًا، والواقعية اسمًا آخر للاستسلام.
تطبيع العبث لا يحدث دفعة واحدة. يبدأ بتنازلٍ صغير يُبرَّر بالخوف، ثم تنازلٍ أكبر يُبرَّر بالاستقرار، ثم فراغٍ كامل يُبرَّر بالضرورة. وفي الطريق، تُقنع الدولة أبناءها أن الإهانة مؤقتة، وأن الصمت حكمة، وأن البديل أسوأ. هكذا يُربّى المجتمع على قبول ما كان يرفضه، وعلى تبرير ما كان يدينه.
قصة الحصان تُذكّرنا بأن الطغيان لا يبدأ بالدبابات، بل بالاستخفاف. لا يبدأ بالدم، بل بإفراغ اللغة من معناها، والمؤسسات من وظيفتها. حين يُسأل الناس لاحقًا: كيف وصلنا إلى هنا؟ يكون الجواب المؤلم أنهم لم يصلوا فجأة، بل ساروا طويلًا وهم يشيحون بوجوههم عن كل إشارة تحذير.
في السودان، لا نحتاج إلى حصانٍ يدخل القاعة كي نفهم الدرس. يكفي أن ننظر إلى قاعاتٍ امتلأت بالصمت، وإلى مناصب فقدت هيبتها، وإلى قرارات تمرّ لأنها فُرضت لا لأنها أُقنعت. عندها ندرك أن العبث لا يقتحم الدولة بالقوة، بل يُدعى إليها حين تغيب الشجاعة.
الخلاصة ليست أخلاقية فحسب، بل سياسية بامتياز. الدول لا تسقط لأن العبث طرق الباب، بل لأنها فتحت له وجلست تشرح له شروط الإقامة. وعندما يُطبَّع العبث، يصبح السؤال المتأخر بلا جدوى: لماذا دخل؟ السؤال الأجدى كان، ولم يُطرح، لماذا لم يجد أحدٌ سببًا للاعتراض، ولا ذريعة للانسحاب. فالعبث لا يُهزم بالدهشة ولا بالتذمّر، بل باستعادة السياسة لمعناها، والمؤسسات لكرامتها، والناس لحقّهم في السؤال. حينها فقط يعود للكرسي وزن، وللقاعة هيبة، وللصمت ثمن لا يُدفع مجانًا. دون ذلك، سيظل العبث مقيمًا، لا لأنه قويّ، بل لأن أحدًا لم يُخبره، في الوقت المناسب، أن هذه الدولة ليست إسطبلًا.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.