رناد علي جبارين
أُميّزُ نكهةَ الكلمةِ كما يفعل طاهٍ بارعٌ؛ لا أُلقيها جزافًا، ولا أرتجلها عبثًا، بل أُخضعها للحواسِّ كلِّها قبل أن أقدّمها. أتذوّقها وهي لا تزال فكرةً، وأشمّ رائحتها وهي تتخمّر بين السطور، وألمس قوامها، وأتحسّس حدّتَها حين تكون جارحةً.
أوازنها؛ أضيف لمسةً من هدوءٍ حيث تحتاج، أو أتركها ناريّةً حين يتطلّب المعنى ذلك. بعض الكلمات كالملح؛ قليلُه يُصلح، وكثيرُه يُفسد، وبعضها كالتوابل النادرة لا تُستعمل إلا بحذرٍ، وإلا أفسدت الانسجام. هناك كلماتٌ تُقال كما يُضاف العسل بحذرٍ كي لا تطغى حلاوتها على الجوهر، وكلماتٌ تُلقى كما تُلقى قطراتُ الليمون؛ توقظ المعنى وتُعيد إليه الحياة.
لا أكتب.. بل أطبخ الحروف، أراقب امتزاجها، وعندها فقط أقدّمها كوجبةٍ تستعيدها الروح في لحظةٍ غير متوقّعة، مع ذكرى، أو شعورٍ، أو لحظة صمت. أدرك حين تخذلني النكهة، حين تفقد الكلمة قدرتها على الطعن أو التضميد، وحين تصبح مجرّد تكرارٍ باهتٍ لما قيل سابقًا؛ فأعود، أُعيد الترتيب، أُخفّف شيئًا هنا، وأضيف لمسةً هناك، حتى أجد اللحظة التي ينطق فيها النص من تلقاء نفسه، ويصبح كيانًا قائمًا بذاته، يلمس روحًا لا تعرفني، ويحفر فيَّ ذاكرةً لا تحمل اسمي.
* كاتبةٌ ومؤلِّفةٌ فلسطينيةٌ

Leave a Reply