د.أشرف مبارك
ليست (مكابدات الشفيع السناري) للراحل د.معاوية الشفيع، اختصاصي الأطفال، رحمه الله، مجرد مجموعة قصصية، بل شهادةٌ سردية تُكتب من داخل التجربة، حيث يتحوّل العيشُ اليومي نفسه إلى فعلِ مقاومةٍ صامتة. يكتب د.معاوية الشفيع عن الإنسان العادي، المنهك بالفقر والمرض والاغتراب والقلق النفسي، دون ادعاء بطولة أو خطاب مباشر.
شخصياته لا تنهزم دفعةً واحدة، بل تُستنزف ببطء في عالمٍ يختبر قدرتها على الاحتمال. المكان مألوف (بيت، شارع، مستشفى، مقهى)، لكنه يتحول إلى مرآةٍ نفسية تكشف هشاشة الذات واختلال المعنى. السرد ينفذ إلى الداخل، حيث الأرق والهوس والخوف والمناجاة الصامتة.
لغة (المكابدات) مقتصدة ومكثّفة؛ جمل قصيرة مشحونة بالدلالة، تتكسر أحيانًا لتعكس اضطراب الإيقاع الداخلي للشخصيات. يتداخل اليومي مع اللغة الطبّية، وتظهر مصطلحات سريرية وعقاقير وألفاظ إنجليزية فجأة داخل النسيج العربي، في إشارة إلى وعيٍ مهشمٍ موزعٍّ بين خطابات متعددة.
السياسة حاضرة بلا شعارات؛ نتائجها تُرى في مصائر الأفراد لا في الخطب. (الحرب، العسكر، اللصوص) يمرون عبر الخراب الإنساني اليومي. وتشق السخرية السوداء النصوص بوصفها آلية بقاء، لا للتخفيف فقط، بل للفضح أيضًا.
في (مكابدات الشفيع) يبقى الإنسان أولًا. الهمّ العام يلوّن المصائر، لكنه لا يبتلعها. إنها كتابة ضرورة تقول، بهدوءٍ موجعٍ: (نحن نكابد.. إذن نحن أحياء).
ببساطة، من عرف الشفيع سيقول حين يقرأ (المكابدات): “هذا هو معاوية، هذا هو الشفيع السناري”.

Leave a Reply