حين يصبح الغياب امتدادًا للحضور: حنظلة.. وذكرى معاوية في جامعة الجزيرة

صحيفة الهدف

د. حنان الهادي

“إلا باكر يا حليوة، لما أولادنا السُّمر
يبقوا أفراحنا البنمَسَح بها أحزان الزمن
نمشي في كل الدروب الواسعة ديك
والرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مد
إيدي في إيدك، نغني..”

لم تكن مجرد أغنية نردّدها، كانت مساءً جميلًا مليئاً بالفرح في إحدى ليالي حنظلة، وكان لوناً يشبههم وحضوراً يشبه ملامحهم. أسمر جميل فتّان.. نغني كي لا يبتلعنا الصمت، نستدعي الغائبين كي لا يكتمل الغياب، نتمرّد على الحزن.. لا لأننا لا نشعر به، بل لأننا نرفض أن يكون هو الكلمة الأخيرة.

في أول يومٍ دخلت فيه إلى جامعة الجزيرة، لم أكن أبحث عن شهادة فقط، كنت أعرف بحدسٍ مبكر أنني لا أريد أن أخرج منها بدرجة علمية فحسب، بل بتجربة حياة مكتملة. كنت أبحث عن عالمٍ يحمل كل ملامح الأرض: الفكر، الثقافة، الصوت، الاختلاف، والجدل الذي يُنضج العقل.

لم أدخل جامعة الجزيرة لأمرّ بها، دخلتها لأتشكّل فيها. ولهذا لم يكن انضمامي إلى جمعية حنظلة الثقافية صدفة، بل كان قراراً واعياً، قراراً بالاقتراب من المعنى، من المسرح الذي كان منخفضاً في الأرض وعالياً فينا، من الجريدة الحائطية التي كنا نقرأ فيها أنفسنا قبل أن نقرأ العالم، ومن الكورال الذي بدأ مقاوماً لفكرة أن الصوت عورة، فصار إعلاناً مبكراً أن الثقافة لا تعارض العلم، بل تمنحه روحاً.

هناك لم أتعرف على زملاء فحسب، بل على شركاء تكوين، وهناك التقيت بعاطف عثمان، اللخو ديدي، واللخو معاوية، معاوية.. الشفيع. لم تجمعنا المنابر، بل جمعنا الاختيار. عاطف كان من أولئك الذين يثبّتون القامة دون أن يطلبوا الضوء، وجوده يعيد ترتيبك من الداخل، ويمنحك إحساساً بأنك لست وحدك في المساحة. قبل ثماني سنوات غاب الجسد، لكن الأثر بقي، دعامةً خفية تسند الذاكرة كلما مالت.

ثم جاء الفقد مرة أخرى، لكن هذه المرة كان أكثر قرباً من القلب. أكتب اليوم في الذكرى الأولى لرحيل د. معاوية الشفيع، وما زال الغياب غير قابلٍ للتصنيف ضمن الماضي. كان معاوية من أولئك الذين لا يشغلون مكاناً في الساحة فقط، بل يشغلون مساحة فيك أنت. حضوره لم يكن صاخباً، لكنه كان واضحاً، ثابتاً، ومطمئناً. هو وصديقه منعم كانا من مهندسي الروح الثقافية في حنظلة، لم يبنيا مبانٍ، بل بنيا بيئة نكبر فيها. كانا يؤمنان أن الجامعة ليست مقررات تُنجز، بل إنسان يُصاغ.

الأصعب في الفقد ليس الرحيل ذاته، بل لحظة إدراك أن الصوت الذي اعتدت سماعه لن يأتي، أن الضحكة التي كانت تسبق الكلام لن تتكرّر، وأن اللقاء الذي كان ممكناً بالأمس صار ذكرى. تكرار الفقد يربك القلب، شخص يملأك حضوراً، ثم يأتي القدر فجأة، ويتركك ممتلئاً بالذكريات فقط. وفي الذكرى الأولى، لا يكون الحزن صراخاً، بل صمتاً عميقاً نُحاول أن نهذّبه بالكلمات، نكتب كي لا يبتلعنا الفراغ، نستعيد كي لا يبهت الأثر.

جامعة الجزيرة لم تكن مرحلة عابرة في حياتي، كانت بداية وعي. وفي جمعية حنظلة الثقافية تعلّمنا أن الثقافة ليست نشاطاً جانبياً، بل طريقة في الوجود، أن المسرح قد يكون منخفضاً في الأرض، لكنه يرفع الإنسان عالياً، أن الصوت حين يُقاوم يصبح أكثر صدقاً، وأن الصداقة ليست رفقة وقت، بل رفقة تكوين.

أقدّم التعازي لأسرة حنظلة، ولزملاء الجامعة، ولأسر الفقيدين وأصدقائهما الأقربين، ولنفسي التي دخلت الجامعة باحثةً عن المعرفة فوجدت المعنى، والتي التقت بهم ففرحت وارتقت، ثم فقدت فتألمت، ثم أدركت أن بعض الغياب لا يُنقص الحياة، بل يعمّقها. وحين يصبح الغياب امتداداً للحضور، نفهم أن الذين رحلوا لم يتركوا أماكنهم فارغة، بل انتقلوا إلى طبقة أعمق فينا، حيث لا يصلها الفقد، ولا تمسّها المسافات البعيدة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.