جيش الوطن أم جيش الأيديولوجيا

صحيفة الهدف

أمجد السيد

في كل مرة يُطرح فيها سؤال العلاقة بين المؤسسة العسكرية والتيارات الإسلامية في السودان، يخرج الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لينفي بشكل قاطع وجود عناصر من جماعة الإخوان أو ما يُعرف بـ”المتأسلمين” داخل الجيش. لكن السؤال الحقيقي ليس في قوة النفي، بل في قوة الوقائع التي تناقضه.

البرهان يتحدث عن فزاعة تُستخدم للتأثير على القرار الدولي، ويتهم أطرافًا إماراتية وأمريكية بترويج هذه الرواية. غير أن القضية في الداخل السوداني ليست دعاية خارجية، بل تجربة معاشة امتدت لثلاثة عقود منذ انقلاب عام 1989 الذي قاده الإسلاميون عبر بوابة الجيش.

منذ وصول عمر البشير إلى السلطة، جرى تمكين واسع لعناصر الحركة الإسلامية داخل مفاصل الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية. هذا التمكين لم يكن عارضًا، بل كان سياسة ممنهجة أعادت تشكيل بنية الدولة على أسس أيديولوجية.

فهل يمكن تفكيك إرث ثلاثين عامًا بجملة نفي؟ يؤكد البرهان قدرة الجيش على إصلاح بنيته وهيكلته داخليًا دون تدخل خارجي. لكن الهيكلة الحقيقية لا تعني فقط إعادة توزيع قيادات أو دمج وحدات، بل تعني

مراجعة عقيدة الجيش الق.تالية.فك الارتباط بين المؤسسةالعسكرية وأي مشروع حزبي

إخضاع المؤسسة

لرقابة مدنية

ديمقراطية.

مراجعة ملفات التمكين والترقيات ذات الطابع السياسي.إذا كانت هذه الخطوات قد بدأت فعلًا، فأين شفافيتها؟ وأين نتائجهاالملموسة؟

الح.رب الدائرة اليوم لم تندلع في فراغ.

الانقسام داخل المؤسسة العسكرية والأمنية هو أحد تجليات تراكمات سنوات من التسييس. إنكار وجود المتأسلمين داخل الجيش لا يغير حقيقة أن قيادات ووجوهًا مرتبطة بالنظام السابق ما زالت حاضرة في المشهد العام، سياسيًا وإعلاميًا وربما مؤسسيًا.

القضية ليست في وجود بطاقة عضوية باسم الإخوان المسلمين، بل في استمرار شبكة الولاءات التي تشكلت خلال سنوات التمكين. تغيير المسميات لا يلغي الحقائق.

الرسالة إلى الداخل

لا إلى الخارج قد يكون النفي موجهًا للخارج لطمأنة المجتمع الدولي، لكن الداخل السوداني يبحث عن إجابة مختلفة

هل الجيش مؤسسة وطنية محايدة أم ما زال يحمل آثار مشروع أيديولوجي؟

السودانيون لا يريدون فزاعة، بل يريدون وضوحًا. يريدون جيشًا

يحمي الدستور لا الأحزاب.

يحرس الحدود لا السلطة.

يخضع لإرادة شعبية لا لتحالفات سياسية.

إن بناء دولة مدنية ديمقراطية في السودان يبدأ بإعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية بوضوح وشفافية. النفي المجرد لا يكفي، والاتهام الخارجي لا يعالج الجرح الداخلي. المطلوب كشف ومراجعة ومحاسبة، لا بيانات سياسية.

السؤال لن يختفي بالنفي

هل تم تفكيك بنية التمكين داخل الجيش فعلًا، أم أننا أمام إعادة تموضع بأدوات جديدة؟

التاريخ لا يُمحى بالتصريحات، بل يُكتب بالإصلاح الحقيقي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.