قراءة فلسفية وفكرية خامسة: المؤتمر القومي الثالث عشر.. انبعاث التنظيم من رماد الاستهداف وفتنة التبديد

صحيفة الهدف

بقلم: ماجد الغوث

عاش حزب البعث العربي الاشتراكي منذ عام 1992 -تاريخ انعقاد مؤتمره القومي الثاني عشر- مخاضاً عسيراً وظروفاً استثنائية لم تكن لتمرّ على تنظيم سياسي آخر دون أن تذره هباءً. فمن سنوات العدوان الثلاثيني والحصار الشامل في عهد الشهيد صدام حسين، وصولاً إلى غزو العراق واحتلاله عام 2003، واجه الحزب استهدافاً وجودياً قاده المحتل الأمريكي وحليفه الإيراني. هذا الواقع فرض أولوية قصوى: صون البنية التنظيمية وحماية الرفاق في زمن “الضرورة القاهرة” التي غيبت قامات كبرى بين شهيد وأسير ومتوفى.

معادن الرجال: بين صدق الانتماء وفتنة التسلّق

في كل تجربة كبرى، تفرز المحن معادن الرجال. فبينما انبرى الصادقون لحماية إرث الحزب بمسؤولية، برزت فئة محدودة “تورمت ذواتها”، وتوهمت أن غياب القادة التاريخيين يفتح لها الطريق لقيادة حزب بهذا الحجم.

لم يكن سلاح هؤلاء التضحية، بل محاولات النيل من القيادة التنظيمية عبر الأكاذيب واللغة النابية الغريبة عن أخلاق البعثيين. وكان أخطر ما روّجوا له هو “إثارة النعرات القطرية المقيتة”؛ وهي نزعة يرفضها الرفاق الأصلاء في العراق قبل غيرهم، لأنها تضرب الروح القومية الجامعة التي احتضنت كل بعثي من أقطار الأمة. وللأسف، انساق خلف هذا الخطاب أدوات نفعية في بعض الأقطار، مارسوا التشويه عبر الفضاءات الافتراضية من مواقع آمنة، متخندقين موضوعياً مع مشروع التخريب.

استعادة المبادرة: المؤتمر القومي الثالث عشر

أمام هذه الفتنة، وكما قيّض الله في صدر الإسلام من تصدى لفتنة الردة، قيّض الله للحزب قيادة صادقة قامت بدور “الحارس للفكرة”، وتصدت لمحاولات التفتيت. فكان انعقاد المؤتمر القومي الثالث عشر تحت شعار: «استنهاض الأمة والثبات على العهد النضالي والوفاء لشهداء الحزب والأمة»، بمثابة الرد التاريخي الحاسم لاستعادة المبادرة الفكرية والتنظيمية.

قراءة في مخرجات المؤتمر: تطور الخطاب والبوصلة

لم يكن المؤتمر مجرد لقاء تنظيمي، بل قدّم قراءة ناضجة في بيانه الختامي:

1. تشخيص الواقع: ربط بذكاء بين التفكك الداخلي والضغط الخارجي (الصهيوني-الإمبريالي)، مع إقرار بدور العامل الذاتي العربي في تعميق الأزمة.

2. الاستراتيجية النضالية: أعاد التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، وربطها بالعراق وسائر الساحات، مع تطوير مفهوم “المقاومة” لتشمل العمل الجماهيري الواسع بجانب البعد العسكري.

3. الإضافة النوعية: تبنى البيان لغة منفتحة تجاه مفاهيم التعددية، المواطنة، وتداول السلطة، مع ربطها بحماية الدولة الوطنية؛ وهو تطور فكري لافت في مسار الحزب.

4. اللغة والوعي الدولي: حافظ على لغة قومية جامعة قادرة على مواجهة خطاب التطبيع، مع وعي متقدم بالتحول النسبي في الرأي العام العالمي لصالح قضايا الأمة.

الخلاصة والنتائج

أفرز المؤتمر قيادة عكست التوازن والوفاء وحسن التمثيل، ضمت رفاقاً من أقطار متعددة أكدوا حضورهم في العمل القومي. لقد نجح الحزب في تثبيت سردية قومية مقاومة في مرحلة الاضطراب، مدمجاً البعد الديمقراطي في خطابه دون التفريط بالجوهر التحرري.

إن نجاح المؤتمر القومي الثالث عشر في لملمة الصف واستعادة المبادرة هو ما يفسر امتعاض دعاة الفرقة والانقسام. سيبقى مسار الحزب مرهوناً بإرادة الصادقين الذين لا يساومون على مبدأ، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم في سبيل هذه الفكرة.

الرحمة والخلود للشهداء،

والمجد للأمة،

والعزة للبعثيين الصادقين.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.