الحب بعد الثلاثين

صحيفة الهدف

زكريا نمر
في عمر ما، تحديدًا بعد الثلاثين بقليل، يبدأ الإنسان، رجلاً كان أو امرأة، في إعادة تعريف مفاهيمه الكبرى. الحب لم يعد تلك الفكرة الرومانسية الحالمة التي كانت تكفي وحدها لتبرير كل شيء، بل صار سؤالًا عمليًا بسيطًا: من سيبقى؟
الذكاء لم يعد ميزة حاسمة، بقدر ما أصبح أمرًا ثانويًا لا يسعف في أزمات الحياة اليومية. والطموح، رغم جماله، لا يجيب عن سؤال مرهق: من سيشاركك التعب؟ في هذا العمر، لا يبحث الناس عن شركاء أحلام، بل عن شركاء نجاة. شركاء يفهمون أن الحياة لم تعد تحتمل الاستعراض أو التجارب الطويلة، وأن الوقت صار أثمن من أن يُهدر في علاقات تجريبية لا تؤدي إلى شيء.
الرجل بعد الثلاثين لا يسأل كثيرًا عن الثقافة أو عن العمق الفكري. لا يعنيه إن كانت تقرأ نيتشه أو تحفظ مقولات درويش، ولا إن كانت تمتلك مشروعًا فكريًا عظيمًا. أسئلته أبسط وربما أكثر صدقًا: هل تتحمل مزاجي؟ هل تفهم صمتي دون تحقيق؟ وهل تميز بين جوعي وغضبي؟ هو لا يبحث عن امرأة مثالية، بل عن حضور ثابت لا ينهار عند أول خلاف، ولا يتعامل مع كل صمت باعتباره مؤامرة.
أما المرأة، فهي في هذا العمر لا تنتظر فارس أحلام ولا مشروع بطل أسطوري. هي فقط تريد إنسانًا حقيقيًا، لا يختفي أيامًا ثم يعود وكأنه كان يؤدي مهمة وطنية سرية. إنسانًا يحضر في المناسبات، يشارك التفاصيل الصغيرة، ولا يبرر الغياب بالقدر ولا بالمؤامرة الكونية. لا تريد رجلاً عبقريًا يعجز عن تدبير حياته، ولا شاعرًا يكتب قصيدة عن الجوع بينما هي جائعة فعليًا، ولا بطلًا خطابيًا يفشل في أبسط واجبات الحضور.
في الثلاثين وما فوق، تسقط الأساطير واحدة تلو الأخرى. الوسامة تصبح تفصيلًا لا أكثر، والثراء خيارًا إضافيًا لا شرطًا، والعبقرية تتحول إلى عبء إن لم ترافقها مسؤولية. كما لا يريد الرجل امرأة جميلة جدًا لكنها تحول اختيار فيلم بسيط إلى نقاش فلسفي طويل، وتنظر إلى بساطته وكأنها خطيئة فكرية. الحياة في هذه المرحلة لا تحتمل التعقيد. الشرط الأساسي يصبح واضحًا وبسيطًا: كن حاضرًا، كن واضحًا، ولا ترهقني. لا وعود كبيرة، ولا خطابات طويلة، فقط حضور صادق يمكن الاعتماد عليه.
الناس في هذا العمر لا يتزوجون حبًا كما يدعون، بل هربًا من الوحدة، من الأسئلة الثقيلة في الليل، من صوت الجدران حين يطول الصمت، ومن فكرة أن العمر يمضي بلا شاهد. والطريف أن الجميع يدعي العقلانية في الاختيار، بينما الحقيقة أن الخوف هو الدافع الأكثر حضورًا، الخوف من ألا يختارهم أحد لاحقًا، أو أن يصلوا إلى مرحلة لا يكونون فيها خيارًا لأحد. لا أحد غبي، ولا أحد فاشل. نحن فقط متعبون. نبحث عن شخص يقبلنا كما نحن، بلا تحسين، بلا وعود كبيرة، وبلا نسخة مثالية. وربما، في زمن التعب هذا، يكون القبول الصادق هو آخر أشكال الرومانسية الممكنة.
* كاتب من جنوب السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.