محمد إسماعيل أنقا
يقول مارتيني: “أتى للسلام علينا في أغردات، أراي ولد عقبا، بمعنى زعيم عشيرة )نرا هجر) في (مقلو)، ولم يسلم (شيخ أراي) نفسه من التعريض والتجريح. يقول عنه:
“أما شيخ أراي عقبا، فهو أقل توازنًا، وأكثر بدائية من الآخرين، وقد يكون من عشائر (النرا)”. وهو يشكك حتى في انتماء (شيخ أراي) إلى عشائر النرا. “وإن جماعة (النرا) هم من المزارعين والرعيان، ينقسمون إلى عشيرتين: (الهجر) في الشرق، و(المقريب) في غرب تلال ليبي.
ولوقت قصير كان للعشيرتين مؤسسات ديمقراطية خالصة، فقد عاشوا طويلًا بدون زعماء، وقد كانوا يستنيرون برأي كبارهم عند الحاجة، أما الآن فلعشيرة (الهجر) زعيمها المنتخب”. (ص 141، مارتيني)
وفي مكان آخر (الجدول: قبائل المستعمرة الإريترية): “(نرا هجر): شرقي جبال ليبي، على يمين مجرى مقريب. الزعيم: أراي ولد عقبا، مقيم في (مقلو) على كوفيت. (نرا مقريب): غربي جبال نيبي.. الزعيم: لا زعيم لهم.” (ص 222، مارتيني)
يلاحظ مما سبق أن (مارتيني) قد ذكر أن من جاء للسلام عليه من (قبيلة النرا) هو زعيم عشيرة (الهجر – البارا) أراي عقبا، ويقول في المرة الثانية: هو زعيمها المنتخب، كما يثبت ذلك للمرة الثالثة، لكنه في الوقت نفسه ينكر وجود زعيم لـ(النرا مقريب)، ويقول حرفيًا: “لا زعيم لهم”. ولم يقل إن (أراي ولد عقبا) كان ممثلًا لعشيرة (المقريب) أيضًا.
لجأ (مارتيني) إلى حيلة ماكرة وخبيثة في إخفاء الحقائق، لإثبات ما ذهب إليه من ادعاء. فقد قام بجمع هذه المادة ضمن جداول وحصريات، ووضعها في قوائم ناظمة، للإيحاء بأنه قد أحصى كل شيء عددًا، وأنه يقدم معلومات دقيقة بكل معنى الكلمة، وهي من الخطط والأساليب المعروفة في الغش والخداع، التي كشف عنها (كوودكو)، إذ يقول: “إنه وجد أن الإحصاءات والجداول غالبًا ما يستخدمها المؤلفون بهدف إرهاب القراء، والإيحاء لهم بأن كتاباتهم قد بلغت حدًا أقصى من الموضوعية، بأن تستخدم لغة الأرقام والإحصاءات بما يحصنها ضد النقد”. وهو ما قام به (مارتيني) بالضبط، وقد تمكن بذلك من تمرير أفكاره ودس سمومه وأحقاده، التي انطلت على الجميع دون أن يفطن إليها أحد، وقد لاكها الناس كل هذه المدة على أنها حقائق مسلّم بها، لأنها صدرت من تلك الشخصية الأجنبية المهمة (فرديناندو مارتيني)، وهو يصف في مقدمة كتابه ويقول: “إنه كتاب طيّب النية”. (ص 10)
كيف يستقيم الظل والعود أعوج، كما يقال في المثل؟ وهل كانت (عشيرة المقريب) حقًا بلا زعامة، كما ادعى (مارتيني)؟! أم إنه يراوغ ويخادع؟ وما هو السبب المانع من وجود زعامة لدى المقريب، وهي أقوى قبائل النرا وأعظمها وأكثرها عددًا؟.
يقول (أنزه ماتنيزه، وثائق الأمم المتحدة): “وجريًا على التقليد المتبع، يتولى إدارة كل عائلة مجلس شيوخ (يسمى مجلس الشيوخ مجلسًا أعلى)، يستلم رئاسة القبيلة، وهذا النوع من المجالس لا يزال قائمًا حتى يومنا هذا، وهو يعمل بصورة غير رسمية، بالرغم من أن الحكومة الإيطالية استبدلته بزعماء وحيدين”. (ص 27)
هو نظام تراتبي أقرب للنظام السياسي الإسبرطي في اليونان القديمة، الذي كان يتكون هيكله من: الملكية، مجلس الشيوخ (الغيروسا)، الجمعية العام، ممثلو الشعب.
باستثناء أن الملكية في (دجن) بغرب إريتريا كانت فردية، إلا أنها كانت مزدوجة في إسبرطة.
ففي كل العهود الاستعمارية المتعاقبة على إريتريا، كان المستعمرون على علم بوجود مثل هذا المجلس والزعامة المنبثقة عنه، لكنهم سكتوا عليه، لأنهم كانوا على يقين أن القرارات الفعلية (لقبيلة النرا) كانت تصدر عن هذا المجلس، وليس من الحاكم الرسمي الذي يتم تعيينه من قبل الحكومة، وأن شيوخ القبيلة وأعيانها كانوا يؤتمرون بسلطة (رئيس المجلس الأعلى للشيوخ، الملك)، وليس العكس.
لهذه الأسباب مجتمعة، تمسك (أراي عقبا) ومن بعده ابنه (محمد أراي عقبا) بلقب شيخ، لاكتساب الشرعية الشعبية، إلى جانب حملهما للقب (ناظر)، الذي لم يجد قبولًا واستحسانًا لدى (شعب النرا).
يطلق على عشيرة (النقيب) الحاكمة في غرب إريتريا لقب (تا نن – كينا): أهل الصخرة، أي أصحاب السطوة والمناعة. فالصخرة رمز من رموز السلطة في كل (حضارات وادي النيل)، وترتبط بمفهوم نشأة الكون والصخرة الأزلية (تانن).
و(تاكا – كينا): سادة وملوك التاكا. وقد وردت في المصادر عبارة (تاكا وهدل – بالبداويت)، و(تكازي – بالحبشية) للدلالة على هذا الشعب، كأول مجموعة سكنت إقليم التاكا.
و(توتيل) الذي يعني: الملك الثعبان، وهو اللقب الذي كان يحمله هؤلاء الملوك الذين حكموا بأرض التاكا، وهم أصحاب هذا الاسم. وتسمى (الكدور دا) وسط المقريب (تربي – دا): بيت الأصول والجذور، وهو الفرع المكمل لأسرة (اب سوميت) من بيت (أنقا).
كان الملك (علي حامد – اب سوميت) حاكمًا على (مملكة دجن) التي تقوم على حوض القاش بغرب إريتريا، ويلقب (أبو): الأب الشيخ، بوصفه الرئيس الأعلى لمجلس الشيوخ: (نرا مشينكا)، و(نرا – مسنى – حاكم النرا)، و(الفي – الملك)، وهو الجد الأكبر لأحد فروع (بيت أنقا).
يعتبر الملك (علي حامد – اب سوميت) آخر ملوك حضارة دجن بحوض القاش، من سلالة الملوك الثعابين (بيت – ليمو وول) من النقيب، وهو الثعبان: (اب سوميت – الشعار الملكي، السلف، الطوطم).
فقد (علي حامد – اب سوميت) سلطاته الفعلية عندما آلت (نظارة) القبيلة لأول مرة إلى (أسرة شيخ أراي)، مع بدايات دخول الاستعمار الإيطالي إلى إريتريا، الذي عمل على تقليص الإدارات التقليدية في المنطقة. جاء (أراي عقبا) إلى سدة زعامة عشيرة (الهجر – البارا) مباشرة بعد إصابة ووفاة زعيمهم (بدا – توتيل)، الذي كان والده من قبل زعيمًا على (الهجر)، ما يثبت بشكل قاطع وجود زعامة مسبقة وممتدة (للهجر البارا) قبل مجيء الطليان إلى إريتريا.
فإذا كان الملك (علي حامد – اب سوميت) هو سليل هؤلاء الملوك والوريث لأبيه الملك (حامد صولا – اب سوميت)، ولم يأتِ على صهوة مدافع الطليان، ففي أي عصر من العصور التاريخية كانت (قبيلة النرا) تعيش بدون زعماء، كما جاء عن مارتيني؟!!
الحقيقة المرة: إن التمزق والشتات والشرذمة تعيشها (قبيلة النرا) عمومًا الآن، وفي هذا الوقت بالذات، وليس في الماضي. تصوّر وجود أربع عمديات وأكثر ،قابلة للزيادة، لمجموعة لا يزيد عدد أفرادها على أصابع اليد، في مدينة كسلا وحدها، وقد تأبطتها إداريات المكونات الأخرى: تحت نظارة كذا، وتحت نظارة كذا، وهي معظمها تجمعات ترتع فيها الرويبضة ما رتعت، بلا وازع..

Leave a Reply