كلمة العدد: ثقافة الوصاية وأثرها على التفكير المتحرر

صحيفة الهدف

محمد الأمين أبو زيد
كثيرًا ما نستخدم مفهوم الوصاية في الواقع الاجتماعي والسياسي. ثقافة الوصاية هي طريقة من التفكير تقوم على افتراض أن فئة ما (دولة، نخبة، زعيم، مؤسسة، عائلة) أدرى بمصلحة الناس من أنفسهم، وتتوهّم أنه يحق لها اتخاذ القرار نيابة عنهم دون مشاركتهم.
لثقافة الوصاية جذور سياسية تتمثل في الأنظمة السلطوية التي اعتادت تقييد وتحجيم المشاركة الشعبية، وجذور اجتماعية تعتمد على البنى الأبوية بتقديم الطاعة على الحوار، وجذور تعليمية في نمط التعليم القائم على التلقين والحفظ بدلًا من التفكير النقدي.
يتمثل أثرها على تنمية الوعي الديمقراطي بتحويل الفرد من شريك إلى متلقي، فتضعف روح المبادرة وتحل محلها روح المسايرة. وتقل المطالبة بالشفافية والمساءلة والمحاسبة.
يتشوّه وعي الناس بالحرية، فينظر إليها كخطر وفوضى بدلًا من كونها مسؤولية وحقوق وواجبات. تعمل ثقافة الوصاية على تصدير الخوف واللامبالاة، واستدامة الاستبداد، وتهيئة المجتمع لقبول السيطرة وسياسة القطيع.
تواجه ثقافة الوصاية بإصلاح التعليم، بتعميق ديمقراطيته وتعزيز ثقافة المشاركة والتفكير النقدي، وتمكين المجتمع المدني ومنظماته لضمان التربية الديمقراطية الباكرة داخل الأسرة والمدرسة.
إن ثقافة الوعي الديمقراطي، كنقيض لثقافة الوصاية، تقوم على المواطن الحر، الواعي، والمسؤول، وترتقي بوعيه من التحكم إلى الشراكة، ومن الطاعة إلى المواطنة.
في كثير من المجتمعات في محيطنا الإقليمي، تقوم الوصاية السياسية بتقديم السلطة نفسها باعتبارها الأعرف والأقدر على تحديد مصلحة الشعب، كما عبّر عن ذلك عادل إمام في مسرحيته الشهيرة: “هو أنا ح أعرف نفسي أكثر من الحكومة”. وتتخذ من هذا مدخلًا لتقييد الأحزاب والمجتمع المدني، وقيام انتخابات شكلية، وربط الاستقرار ببقاء الحاكم الوصي لابقاء المؤسسات. هذه السياسات تنتج مواطنًا متفرجًا سلبيًا، ضعيف الإيمان بالوطن ومستلف التفكير.
من الناحية الأمنية، تُستخدم الوصاية لتبرير تقييد الحريات العامة، بمنع التظاهر والتنظيم، ومراقبة الرأي العام، وترسيخ ثقافة الخوف من الحرية، وتكريس الوعي الخائف بدلًا من الوعي الناقد (الرأي الاعوج والرأي العدل).
من الناحية الدينية، تركز ثقافة الوصاية على احتكار الفتوى، وتقديم نموذج واحد على أنه الدين الصحيح، وتخوين وتكفير المخالف، في الوقت الذي أشار فيه القرآن في أكثر من ثلاثمائة آية إلى قيمة العقل.
إعلاميًا، تقوم ثقافة الوصاية على توجيه الإعلام الرسمي ليكون تابعًا ومعبّرًا عن سلطة الوصي الحاكم، الأمر الذي يخلق وعيًا معلبًا ويضعف ثقافة التعدد والاختلاف.
إن تجربة ثقافة الوصاية في واقعنا السوداني لم تُنتج مواطنًا حرًا، بل تابعًا، ولا تحمي الاستقرار بل تؤجل الأزمات، ولا تبني وعيًا ديمقراطيًا بل تفرغه من مضمونه وتشوه جوهره.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.