السيادة الوطنية في ميزان الاقتصاد.. الزراعة والرعي “طوق النجاة” الأخير

صحيفة الهدف

عادل أحمد محمد

في زمن الأزمات الاقتصادية الخانقة، تلك التي تطبق على الأنفاس وتضيق الخناق على الجميع، لم تعد “السيادة الوطنية” مجرد مفهوم سياسي مجرد أو مجرد شعار نردده في المحافل والندوات. الحقيقة أنها غدت قضية معيشية “وجودية” بامتياز، قضية تمس لقمة المواطن البسيط واستقرار الدولة التي نراها اليوم في مهب الريح.

فحين تعجز الدول عن تأمين غذائها بيديها، وحين تصبح أسواقها “رهينة” ذليلة للاستيراد وتقلبات الخارج التي لا ترحم، يتراجع القرار الوطني وتُسلب الإرادة، ليُستبدل بها ارتهان اقتصادي مهين.. أليس كذلك؟ من هنا تحديداً، تبرز الزراعة والرعي كخيار استراتيجي لا غنى عنه أبداً، بل كطريق وحيد ووحيد للخروج من دوّامة هذا الانهيار المظلمة التي نعيشها.

لقد كشفت الأزمات العالمية المتلاحقة -بدءاً من جائحة كورونا الغادرة وصولاً إلى اضطرابات سلاسل الإمداد والحروب المشتعلة من حولنا- عن عورة وهشاشة تلك الاقتصادات التي أدارت ظهرها لإنتاجها المحلي، وخصوصاً في هذا القطاع: قطاع الغذاء الاستراتيجي.

ومع تراجع قيمة العملات الذي ينهش في قلوبنا، وارتفاع أسعار السلع الأساسية بجنون، بات “الأمن الغذائي” هو التحدي الأخطر، التحدي الذي يواجه الدول النامية ويضع استقلالها الحقيقي على المحك. وفي هذا السياق المرير الذي نكابده، لا يمكن أبداً الحديث عن سيادة وطنية حقيقية ما لم تسبقها “سيادة غذائية” تجعلنا نأكل مما نزرع في أرضنا.

تشكّل الزراعة، وبكل وضوح، حجر الأساس المتين لأي اقتصاد يطمح لأن يكون منتجاً وذا كرامة؛ فهي ليست مجرد مصدر للغذاء، بل هي الرافعة الحقيقية لتشغيل اليد العاملة، والمحرك الأصيل لتنمية تلك المناطق الريفية التي طال انتظارها وتهميشها. أما الرعي، فهو القطاع المكمل الذي لا يقل أهمية ولا شأناً أبداً، خاصة في بلد مثل بلدنا، حباها الله بمساحات واسعة وموارد طبيعية بكر تنتظر فقط من يستثمر فيها بصدق. ومن خلال هذا القطاع (الرعي)، يمكننا دعم الصناعات الغذائية بقوة، وتقليل فاتورة الاستيراد اللعينة التي تستنزف عملتنا الصعبة، وتعزيز كبرياء الاكتفاء الذاتي الذي نحلم به.

ورغم كل هذه الأهمية القصوى، عانت الزراعة والرعي لسنوات طويلة، سنوات مريرة من التهميش المتعمد وسوء التخطيط، مقابل تركيز بائس وفقير على القطاعات الريعية والخدمية، تلك التي تعطي عائداً سريعاً لكن أساسها هش. وقد أثبت هذا النهج “العقيم” فشله الذريع والكامل عند أول اختبار حقيقي؛ إذ تبيّن لنا بالدليل القاطع أن الاقتصادات التي لا تنتِج هي أول من يسقط وينهار عند هبوب أول عاصفة.

إن إنقاذ اقتصادنا الوطني لا يتحقق بالشعارات الرنانة أو الوعود التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل عبر سياسات “خشنة” وواضحة تعيد الاعتبار والمكانة للإنتاج المحلي فوق أي اعتبار آخر. ويشمل ذلك -بالضرورة وبلا تأخير- دعم المزارعين والرعاة في “خنادق” إنتاجهم، وتوفير تلك البنية التحتية التي هُدمت، والاستثمار الحقيقي في التقنيات الحديثة، وحماية الأراضي الزراعية من التغول الظالم، وربط هذا الإنتاج بالتصنيع والتسويق في حلقة واحدة متصلة. فكل قرش وكل استثمار يُضخ في هذه الأرض، هو في حقيقته استثمار مباشر في استقرارنا وسيادتنا الوطنية.

وخلاصة القول التي لا تقبل أي تأويل؛ لا يمكن لأي دولة أن تستعيد عافيتها المفقودة أو تحمي قرارها المستقل دون العودة بصدق وإخلاص إلى “الأرض”. الزراعة والرعي؟ ليسا مجرد حلول مؤقتة أو “إسعافات أولية” كما يظن البعض، بل هما خيار استراتيجي طويل الأمد، خيار يعيد للاقتصاد توازنه المختل، وللسيادة معناها الحقيقي والعميق الذي ضاع منا.

#ملف_الهدف_الاقتصادي #صحيفة_الهدف #السيادة_الوطنية #الزراعة_والرعي #الأمن_الغذائي #الاقتصاد_المنتج #السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.