قلم : ماجد الغوث
تصدّع الجدار الجميل: كيف نهشت الح.رب العبثية نسيجنا الاجتماعي السوداني؟
دائماً ما تُقاس خسائر الح.روب بعدد الأرواح المفقودة والمباني المهدمة، لكن في الحالة السودانية، هناك خسارة أعمق لا ترصدها الكاميرات؛ وهي “اغتيال النمط الاجتماعي”. السوداني الذي عُرف تاريخياً بـ “النفاج” المفتوح و”البرش” الممدود، الناظر للأمر يجد نفسه اليوم أمام واقع غريب جرّد حياته من طقوسها الحميمية، وحوّل المجتمع “الجماعي” بطبعه إلى جزر منعزلة تسكنها الغربة والقلق.
أولاً: انكسار طقوس التلاحم (غيبة الزغاريد واللمّة)
لقد كانت الأفراح والمناسبات في السودان بمثابة “صمام أمان” لتجديد الروابط، لكن الح.رب حولتها إلى ذكريات مؤجلة:
• الأعراس والختان: توقفت هذه المهرجانات، التي كانت تجمع الحي والقبيلة، وتحولت من طقوس صاخبة بالفرح إلى مراسم صامتة أو “إخطارات” تفتقد لروح “العديلة والزين”، مما أضعف منصات التواصل المجتمعي.
• انكسار طقوس رمضان والأعياد: “برش رمضان” لم يكن مجرد مائدة طعام، بل كان “البرلمان الاجتماعي الأكبر”. غيابه اليوم هو غياب لأعظم مظهر للتكافل والمساواة، حيث كان يذوب الفارق بين الغني والفقير وعابر السبيل.
• انعدام الزيارات اليومية: “ونسة القهوة” وزيارات الجيران لم تكن ترفاً، بل كانت “علاجاً نفسياً فطرياً” يفرغ شحنات التوتر. انقطاعها بسبب الهاجس الأمني أدى إلى تصحر اجتماعي وانطواء أسري مخيف.
ثانياً: جفاف الدمع (غربة الأحزان وضياع الواجب)
لطالما كان السودانيون “أهل واجب” في الملمات، لكن الح.رب وضعت حواجز أمام هذه القيم المقدسة:
• مآتم بلا مواساة: توقفت المشاركة في العزاءات و”السرادقات” التي كانت ترفع عبء الحزن عن كاهل المكلوم. اليوم، يواجه الكثيرون فقد أحبتهم في صمت وعزلة، مما يترك جراحاً نفسية لا تندمل.
• غربة الموت: غياب طقوس الوداع الجماعية والمشاركة في المصائب أضعف “الفزعة” السودانية، وجعل الفرد يشعر بأنه يواجه قدره وحيداً، وهو شعور غريب ومؤلم على الشخصية السودانية.
ثالثاً: الزلزال النفسي والخصوصية المفقودة
خلف هذا التفكك تكمن آثار نفسية زلزلت الوجدان:
• فقدان الأمان الاجتماعي: لم يعد الحي أو الشارع هو “الحضن الآمن”، مما ولد حالة من الريبة وتغير في مفهوم “الثقة” الذي كان يحكم علاقات الجيرة.
• الضغوط والتوترات: أدى غياب المتنفس الاجتماعي إلى تراكم الضغوط النفسية داخل الأسر، وفقد الناس قدرتهم على ممارسة تقاليدهم التي تمنحهم خصوصيتهم الثقافية الفريدة.
نحو ترميم الإنسان
إن الح.رب العبثية قد تنجح في هدم الجدران، لكن معركتنا الحقيقية هي منعها من هدم “الجسور” التي بناها السودانيون عبر القرون. إن العودة للحياة لا تبدأ بإيقاف الرصاص فحسب، بل ببدء رحلة شاقة لاستعادة “الإنسان السوداني”؛ استعادة “النفاج” الذي انغلق، و”البرش” الذي هُجر، والقلب الذي بات يخشى الفرح.
إن التمسك بما تبقى من خيوط التواصل هو فعل مقاومة حقيقي للبقاء، حفاظاً على هوية سمحة تميزنا بين الأمم.

Leave a Reply