حين قرر الجاز أن يتكلم سودانياً : في محبّة شرحبيل، الذي علّمنا كيف نغنّي بلا خوف

صحيفة الهدف

مهند بكري

في محبّة ملك الجاز، وفي زمنٍ يحتاج فيه السودانيون إلى ما يذكّرهم بأنهم شعبُ فنٍّ وحلم، لا مجرد نشرات حـ.رب وأخبار لجوء، يعود شرحبيل أحمد ليقف في قلب المشهد.. لا كضيف، بل كذاكرةٍ تمشي على نغم.

الأحد الماضي احتضن المعهد الثقافي الفرنسي بالقاهرة ثاني فعاليات تكريم الفنان الشامل شرحبيل أحمد. احتفاءً بالفن، نعم، لكن قبل ذلك احتفاءً بسودانٍ آخر: سودانٍ كان يحلم، ويبتكر، ويغامر، ويكسر القوالب دون أن يعتذر.

شرحبيل.. حين قرر الجاز أن يتكلم سودانياً

ليس من السهل أن تكون مختلفاً في زمنٍ كان يقدّس التشابه. ولا من السهل أن تأتي بآلات النفخ النحاسية إلى موسيقى وُلدت على السلم الخماسي، وتقول بثقة: يمكننا أن نكون أكثر من هذا.

شرحبيل أحمد فعلها بهدوء العارف، لا بضجيج الثائر. لم يُعلن انقلاباً على الموسيقى السودانية، بل وسّع قلبها. أدخل الساكسفون والترمبيت والترمبون، لا كزينةٍ مستوردة، بل كأصواتٍ تتنفس الإيقاع السوداني، وتتمايل على التم تم، وتحتفظ بروح الحقيبة وهي تبتسم.

كان الجاز عند شرحبيل طريقة حياة، لا نوعاً موسيقياً. تحرّرٌ محسوب، ولعبٌ ذكي، ومرحٌ جاد.

فنان شامل.. لا يحب الأقفاص

شرحبيل لم يكن مطرباً فقط. كان رسّاماً، ومصمّمات، وكاتب قصص أطفال، وملحّناً، وعازفاً، وشاعراً بالمعنى الواسع للكلمة.

تخرّج في كلية الفنون الجميلة بتشجيع من إبراهيم الصلحي، وعمل في الإخراج الفني لكتب الأطفال ومجلات محو الأمية، وكأن حياته كلها كانت مشروعاً واحداً: أن يجعل الجمال في متناول الجميع. حتى أغانيه، بتراكيبها القصيرة وألحانها الراقصة الهادئة، لم تكن تبحث عن التعقيد، بل عن المتعة الذكية؛ عن تلك المساحة التي يلتقي فيها الفن الرفيع بالشارع، دون أن يفقد أيٌّ منهما كرامته.

من أم درمان إلى الأبيض.. ثم إلى العالم

وُلد شرحبيل في أم درمان عام 1935، وحمل معه تنوّع السودان كله: حقيبة الفن، المارشات العسكرية، موسيقى الأفلام، سينما الأبيض، لغات العالم، ولهجة البيت. غنّى بالعربية السودانية، ثم بالإنجليزية والسواحلية والفرنسية، ولم يفعل ذلك ليستعرض ثقافته، بل لأنه كان يؤمن بأن الموسيقى لغة بلا جواز سفر.

وحين لُقّب بـ(ملك الجاز) في السودان، لم يكن اللقب مبالغة، بل توصيفاً دقيقاً لرجل فتح باباً، ودخل منه جيل كامل بعده.

لماذا نحتفي به اليوم؟ لأن الاحتفاء بشرحبيل أحمد ليس احتفاءً بالماضي، بل موقفاً من الحاضر. هو تذكير بأن السودان ليس فقط بلد الأزمات، بل بلد التجريب، والجرأة، والابتكار. وأن نحتفي به في القاهرة، وفي المعهد الثقافي الفرنسي تحديداً، فذلك اعتراف متأخر بأن هذا الفنان كان عالمياً قبل أن تصبح العالمية موضة، وحداثياً دون أن يتنكّر لجذوره.

في زمنٍ يتكسّر فيه السودان، نحتاج إلى شرحبيل لا كمطربٍ نسمعه، بل كفكرةٍ نتمسّك بها: أن نكون أنفسنا.. ونضيف إلى العالم، لا أن نذوب فيه.

مزجٌ آخِر

شرحبيل أحمد ليس مجرد (ملك الجاز)، هو أحد أولئك الذين جعلوا الفن فعلَ مقاومةٍ ناعمة، وجعلوا الفرح موقفاً أخلاقياً. وإذا قيل عن فنانٍ مثل شرحبيل إن أعماله تمثل “مزجاً آخِراً”، فالمعنى أنه بلغ صيغة فنية متفرّدة؛ لم تعد تقلّد، ولا تجرّب فقط، بل تعرف نفسها بنفسها.

وفي محبته.. نحتفي بما تبقّى فينا من موسيقى.

#ملف_الهدف_الثقافي #شرحبيل_أحمد #ملك_الجاز #المعهد_الفرنسي #صحيفة_الهدف #السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.