(أنا وأُخرياتي): جسد، حب وسيادة

صحيفة الهدف

إحسان الله عثمان

(أنا وأُخرياتي) مجموعة قصائد نثرية للشاعرة أمل عمر، صدرت عن دار المصوّرات للنشر، السودان، عام 2024، وتضم أكثر من 200 نص كُتبت بين عامي 2018 و2024.

في مكانٍ سريٍّ من جسدي،

توجدُ ثلاثُ شامات،

إذا اقتربنَ

يُشكّلن مثلثاً

يُشبه مثلث برمودا.

هناك غرق آلافُ الشعراء

والعشّاق والمجانين،

واختفت سفنُهم

في ظروفٍ غامضة.

واحدٌ فقط..

اقتحم المياه الإقليمية،

غرسَ رايتَه،

أعلن دولته،

وتلا على قلبي دستوره

ونشيده الوطني،

وأنا قَبِلتُ..

تُعدّ مركزية الجسد الأنثوي في النصوص الأدبية ظاهرةً معقّدة ومتعدّدة الأبعاد، تعكس تحوّلات في الوعي المجتمعي والثقافي، وإقراراً بوجود الآخر، وسماحةً في التعاطي، وانفتاحاً على الإيجابية بوصفها أفقاً جمالياً وإنسانياً.

في (أنا وأُخرياتي) تتجلّى جرأة الحكي، ووضوح الفكرة، وحضور العقل الجمعي في عمق الحروف. ثلاثُ شامات يشكّل منها النص جغرافيته الخاصة، حيث يصبح الغرق جسداً وقَدَراً جمالياً لا ينجو منه الشعراء ولا العشّاق ولا المجانين.

إنها جغرافيا غامضة تبدأ من تفاصيل صغيرة وتنتهي بدولة مكتملة السيادة؛ استعارة ذكية تنقل القارئ من الخاص إلى الكوني، ومن العلامة الجسدية إلى (مثلث برمودا) بوصفه رمزاً للجذب القاتل، والفقد، والغرق.

نصّ مكثّف تنزاح فيه لغة الحب إلى خطاب سيادة، ويغدو القبول فعل اعتراف، يزاوج بين استعارة جسدية وجدانية عالية الذكاء، وكونٍ رمزيٍّ مكتمل تُدار فيه الحـ.روب، وتغرق السفن، وتُعلن الدول.

تبدأ القصيدة بهدوءٍ لا يفصح مباشرةً عن مقاصده؛ فالقفزة الجمالية، والانتقال من الجسد إلى (مثلث برمودا)، يحوّلان التفاصيل الصغيرة إلى جُزر وبحار وسواحل، حيث يختفي العابرون، ويتجاوز النص حدود التشبيه إلى محو الفواصل بين الأنا والهوى.

غير أنّ النص لا يستسلم لمنطق الفقد وحده، إذ يقدّم استثناءً لافتاً: “واحدٌ فقط.. اقتحم المياه الإقليمية، غرسَ رايتَه، أعلن دولته”. هنا تتحوّل لغة الحب فجأة إلى لغة السياسة والسيادة، في مفارقة جمالية تكشف أن العاطفة ليست دائماً خضوعاً، بل قد تكون تفاوضاً قاسياً على السلطة والاعتراف. وتبلغ الذروة حين يتحوّل القلب إلى وطن، تُتلى عليه الدساتير، وتُنشد الأناشيد.

“وتلا على قلبي دستوره.. ونشيده الوطني.. وأنا قَبِلتُ..”؛ يأتي الختام بالغ النعومة، في انتقالٍ سرديٍّ سلس من الجسد إلى السياسة ثم إلى القلب، ويغدو القبول هادئاً، بلا تبرير. الفراغات الطباعية تخدم المعنى، وتحرّر اللغة من معاجمها، والجسد من قيوده المرهقة، وتمنح النص إيقاعاً شعورياً ينجح في نقل أنوثة القصيدة إلى خطاب سيادة.

صدر أيضاً للشاعرة أمل عمر مجموعة شعرية بعنوان (بعد الكأس الثالثة) عن دار كتب للنشر والتوزيع، كما تُرجمت العديد من نصوصها إلى لغاتٍ متعددة.

#ملف_الهدف_الثقافي #إحسان_الله_عثمان #أمل_عمر #نقد_أدبي #صحيفة_الهدف #السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.