من الخرطوم إلى العالم  (4): ثقافة الشتات.. حين تصبح المنافي (رئة) بديلة للهوية السودانية

صحيفة الهدف

تقرير: عبدالمنعم مختار

منذ أن دفعت الحـ.رب بالمثقفين والمبدعين السودانيين إلى تخوم الجغرافيا، لم يتوقف السؤال الثقافي عند حدود النجاة أو التكيّف، بل اندفع أبعد من ذلك ليعيد مساءلة دوره ووظيفته ومعناه. فالمنافي، التي بدت في لحظتها الأولى فراغاً قاسياً، سرعان ما تحوّلت إلى فضاءات إنتاج رمزي، أعادت فيها الثقافة السودانية تنظيم نفسها، لا بوصفها بديلاً مؤقتاً عن الوطن، بل امتداداً واعياً له، وسردية مقاومة تحرس الذاكرة وتشتبك مع أسئلة الهوية والحرية والمستقبل.

في هذا السياق، تتقاطع آراء عدد من الفاعلين الثقافيين لتؤكد أن ما نشهده اليوم ليس فعلاً طارئاً فرضته الحـ.رب وحدها، بل نتيجة تراكم تاريخي طويل للفعل الثقافي السوداني، وقدرته على التحوّل وإعادة التشكل كلما ضاقت به الجغرافيا واتسعت به الأسئلة.

الخرطوم تقرأ” فقدت معناها

يرى الموسيقار علي الزين، صاحب مركز علي الزين بالقاهرة، أن مقولة “الخرطوم تقرأ” فقدت معناها الواقعي منذ عقود، بعد أن انهارت الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تجعل القراءة والمعرفة ممكنتين. فالمدينة، كما يقول، كانت تقرأ حين كانت الحياة كريمة، والتعليم والعلاج مجانيين، والحرية متاحة، قبل أن تؤدي سياسات القمع وإغلاق المراكز الثقافية المستقلة إلى خنق الفعل المعرفي وتجفيف منابعه.

ويضيف الزين أن الفعل الثقافي في المنافي لا ينفصل عن كونه حاجة نفسية واجتماعية، إذ تمثل الفعاليات الثقافية مساحة للتوازن والالتقاء وتبادل الإبداع، من الأدب والفنون التشكيلية إلى الموسيقى والغناء. ويرى أن ما يحدث اليوم ليس استجابة ظرفية، بقدر ما هو فعل تلقائي نابع من طبيعة الإنسان ككائن اجتماعي، وجد في المنفى مساحة حرية غابت طويلاً داخل الخرطوم.

رمز ثقافي متنقّل

من جهته، يعتبر الكاتب رفعت كباشي حسونة أن هذا الحراك يشكّل امتداداً وتطوراً لفكرة “الخرطوم تقرأ”، لا قطيعة معها. فالثقافة السودانية، بحسب رأيه، تحررت من مركزها الجغرافي الواحد، وانتقلت إلى فضاء عالمي متعدد، حاملة ذاكرتها وأسئلتها، وموسّعة جمهورها وخطابها، دون أن تفقد جذورها. وبهذا المعنى، تحوّلت الخرطوم إلى رمز ثقافي متنقّل، لا مدينة محاصَرة.

فعل تعويضي

في المقابل، يقدّم الروائي محمد سليمان الشاذلي قراءة أكثر تحفّظاً، إذ يرى أن الحراك الثقافي في المنافي يظل في جوهره فعلاً تعويضياً، يلبّي حاجة نفسية ووجدانية فرضتها ظروف اللجوء والمنفى، أكثر من كونه فعلاً ثقافياً متجذراً ومستداماً، مشيراً إلى أن كثيراً من هذه الأنشطة قد تظل مرتبطة بطبيعة الظرف الطارئ.

بين هذه الرؤى المتباينة، تتبدّى ثقافة الشتات السوداني سؤالاً مفتوحاً على احتمالات متعددة، لكنها تؤكد في المحصلة أن الثقافة لم تتوقف بخروجها من الخرطوم، بل أعادت تشكيل ذاتها في المنافي، متخذةً منها رئة بديلة للتنفس، وحافظةً للذاكرة، في انتظار وطن يستعيد شروط الحرية والحياة معاً.

#ملف_الهدف_الثقافي #عبدالمنعم_مختار #ثقافة_الشتات #لا_للحـ.رب #صحيفة_الهدف #السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.