رحل جسدك يا مصطفى.. لكن صدقك وصوتك لم يغادرا أبدًا

صحيفة الهدف

عبد المنعم الفكي

في 17 يناير 1996، توقّف قلب الفنان الراحل المقيم مصطفى سيد أحمد.. لكن حضوره لم يتوقّف.

أكتب عنه اليوم، وأنا أعلم أن الكلمات، مهما طالت، ستظل أقل من أن تُحيط برجلٍ فنانٍ عاش أكبر من الأغنية، وأصدق من اللحن، وأعمق من الشهرة. أكتب عنه لا من موقع الحنين وحده، بل من موقع المعايشة: إنسانًا شاركني السكن، والموسيقى، والمـ.رض، والفرح القليل، والصبر الطويل. عرفته عن قرب، كما هو، بلا أقنعة.

كان مصطفى إنسانًا بسيطًا في مظهره، عميقًا في جوهره. لم يضع نفسه يومًا في برجٍ عاجي بعيدًا عن الناس، بل اختار أن يكون واحدًا منهم؛ يحسّ بما يحسّون، ويتألّم كما يتألّمون، ويغنّي لهم وبهم وعنهم. لذلك دخل قلوبهم بلا استئذان، وبقي فيها بلا مجهود.

اختياره للنصوص لم يكن عابرًا. تغنّى لنحو 64 شاعرًا، لكنه لم يكن يختار النص لأنه جميل فقط، بل لأنه صادق، ولأنه يلامس قضايا الناس ومعايشهم اليومية وهمومهم. كثيرون ظنّوا في وقتها أن بعض تلك النصوص لا يمكن أن تُلحَّن، ناهيك عن أن تُغنّى، لكنه امتلك تلك المَلَكة النادرة: عين الشاعر، وأذن الموسيقي، وقلب الإنسان. وكونه شاعرًا، ساعده أكثر على فهم النص من داخله، ومنحه لحنًا يليق به، مُثبتًا أن المستحيل في الفن وهم، إذا وُجد الصدق.

لم يكن الفن عند مصطفى وسيلةً للنجومية، بل موقفًا. انحيازًا واضحًا للفقراء، وللبسطاء، وللطبقة الكادحة التي تكافح من أجل لقمة العيش بكرامة. وبهذا المعنى، لم يكن فنانًا فقط، بل كان صاحب قضية، وبهذا الفهم ورّط من جاء بعده في سؤالٍ صعب: ماذا نغنّي؟ ولماذا نغنّي؟

أما علاقته بالموسيقيين والعازفين، فكانت مدرسة في التواضع والاحترام. لم يتعالَ يومًا، بل كان يقول لنا دائمًا: اعتبروني فنانًا مبتدئًا، وأنتم مبتدئون، ولننفّذ كل جملة وكل نوتة موسيقية كما لحّنتُها أنا.

كان دقيقًا إلى حد الإيلام، وصبورًا إلى حد الدهشة، لا يساوم في التفاصيل، لأنها عنده جوهر العمل. لذلك كنا نجلس لساعات طويلة في البروفات، بلا كلل أو ملل، بل بشغف ومسؤولية، لأننا نشارك في أعمال تحمل فكرًا وقضية. حتى مـ.رضه لم يكن سببًا للتذمّر. كان الألم حاضرًا، نعم، لكن الإرادة كانت أقوى. كان يمسك بالعود رغم التعب، ويُخفي وجعه حتى لا يُثقل على من حوله، وكأن الصبر عنده كان جزءًا من الموسيقى.

ولا يمكن أن أستحضر مصطفى في هذه الذكرى دون أن تعود بي الذاكرة إلى ليلة 31 ديسمبر.. ليلة رأس السنة، حين أقام حفله وهو في حالة إرهاق شديد، لكنه أصرّ على الوقوف أمام جمهوره. تغنّى في تلك الليلة كما لم يتغنَّ من قبل، وكأنما كان يمنح صوته ما تبقّى فيه من حياة. وحين اشتدّ عليه التعب، استأذن الجمهور بكل تواضع أن يُكمل الحفل وهو جالس على الكرسي، فكانت لحظة صدق نادرة بين فنان وجمهوره.

بدأ الحفل بأغنية (عازة في هواك)، وختمه بنفس الأغنية.. أغنية الراحل المقيم خليل فرح، تلك الأغنية الرمزية التي ترمز للسودان، للهوية، للوجدان، وللحب الكبير. وكأن مصطفى، وهو يفتتح ويختتم بها، كان يقول ما لا تستطيع الكلمات قوله.

كانت القاعة ممتلئة عن بكرة أبيها، بل إن من لم يتمكنوا من الدخول كانوا أكثر عددًا ممن حضروا داخلها. جمهور جاء ليشهد، لا حفلًا فنيًا فقط، بل لحظة إنسانية امتزج فيها الألم بالصدق، والتعب بالحب، والغناء بالانتماء.

ولم تمضِ على تلك الليلة سوى سبعة عشر يومًا فقط.. سبعة عشر يومًا بين صوتٍ غنّى بكل ما تبقّى فيه من حياة، وبين جسدٍ اختار الرحيل بهدوء.

في هذا اليوم أشعر بحزنٍ أعمق من أي يوم مضى.. اليوم الذي رحل فيه، وهو بين يديّ، ترك في قلبي فراغًا لا يمكن ملؤه.

لذلك اخترت أن أكون منعزلًا ذاك اليوم عن العالم، أجلس مع نفسي، وأجترّ تفاصيل تلك اللحظة: تفاصيل تناولنا وجبة العشاء معًا، ضحكاتنا الصغيرة، وحديثنا المتبادل، وتسامرنا الذي كان يمتلئ بالدفء والبهجة. كل ذلك حدث قبل لحظات من رحيله عني، تاركًا أثره العميق في قلبي.

بعد رحيله، نُسجت حوله حكايات كثيرة، واختلط الحقيقي بالمتخيَّل. لكن الحقيقة التي لا تحتاج إلى روايات إضافية هي أن مصطفى سيد أحمد كان صادقًا.. ومن كان صادقًا، لا يحتاج إلى أسطورة ليبقى.

بعض الناس لا يرحلون.. بعضهم يتحوّل إلى ذاكرة حيّة، وإلى صوتٍ يذكّرنا دائمًا بمن نكون، وبما يجب أن يكون عليه الفن.

وبعض الغياب لا يُنقص الحضور، لأن من عاش بصدق، يظل حاضرًا.. حتى بعد الصمت.

رحمك الله يا مصطفى.. كنت قريبًا لأنك اخترت القرب، وباقيًا لأنك كنت حقيقيًا.. ولأن الصدق لا يرحل.

#ملف_الهدف_الثقافي #مصطفى_سيد_أحمد #عبد_المنعم_الفكي #ود_سلفاب #صحيفة_الهدف #السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.