مصطفى سيد أحمد.. تجربة فنية تناولت كل جوانب الحياة السودانية

صحيفة الهدف

 إسماعيل عبد الله محمد

مقدمة:

عندما يمتزج صوت المغني بحزن الناس، يكون الناتج إبداعاً بلا حدود، يعبّر عن معاناة دامت طويلاً؛ سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية. اختطّ لنفسه طريقاً مختلفاً في تناوله الفني، فهاجمه النقاد والمحللون في بداية مسيرته الفنية، لا لشيء إلا لأن أرواحهم لم تألف التجدد والترقي. فكانت أعماله بمثابة تحدٍ للمألوف، واختياراً لطريق النضال بالكلمة الموزونة موسيقياً، والمفردات المنتقاة بعناية فائقة، التي أعطت أولوية لصدق النبض المواكب لإفرازات الواقع بكل تناقضاته.

سار في درب تجربته هذه منذ بدايتها الصعبة حتى وصل بها إلى أوج الازدهار، خالقاً عملاً عظيماً ومنتجاً فنياً جيداً وغزيراً، أُضيف إلى مكتبة الغناء السوداني الحافلة بالإبداعات، وأكّد للجميع أن رحم حواء غناء السودان لم يعقر، إذ ما زال يقدّم للناس الظواهر المتفردة والمتميزة عقداً بعد آخر. فمنذ مدخل تسعينيات القرن الماضي، استحوذ على مسامع أجيال المعاناة كلها، وتطابقت خطواته مع خطواتهم، ونبض قلبه مع نبضات قلوبهم التي اكتست بثوب حزن جميل، وهم يتابعون له جميل أعماله في عملية إنهاك للروح والبدن مستمرة.

البعد الرومانسي:

عندما تعيش لحناً وكلمة مع أغنية: (غدّار دموعك ما بتفيد في زول حواسه اتحجرت).. تأخذك انتباهة إلى رفضه الفطري لتقبّل الخيانة في الحب، ومن ثم رفضها كخاصية عامة تصيب بني البشر. في أدائه لها بصوت وموسيقى فيهما حسرة مبدوءة بـ«رِمية» هي البكاء ذاته بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وهي من الأغنيات التي لا يستطيع سماعها أصحاب التجارب المؤيدة لمدلولها؛ إذ تحرث الدواخل حرثاً، لتخرج كل ما تسببت فيه رفيقة وحبيبة الدرب من مأساة لإنسان تركته في مفترق درب من دروب السعادة والابتهاج.

كذلك أغنية (الشجن الأليم) التي تنادي لمعاني نشأة الإنسان الأولى (عارفني منك)، وتذكّر بضرورة التواؤم الروحي وتوافق الذين يجمع بينهم عنفوان المريدين، كما فيها ترادف للمفردات في تعبير عن انصهار المحب في الحبيب، ويتضح ذلك في هذه الجزئية (رغم إنك إنت عارف إنو منك)، حيث تكررت كلمة “إن” ثلاث مرات في جملة قصيرة، مشيرة إلى وحدة مصير روحين حلّا بدناً واحداً.

أما في كلمات أغنية (يا سر مدفون في جوف أصداف فتشت عليك بقليب نزّاف)، وكما ذكر هو في لقائه الشهير عام 1983 في برنامج تلفزيوني استضافه فيه طيب الذكر محجوب عبد الحفيظ، فإن التناول في هذه الأغنية يختلف عن كثير من أغنياته السابقة، قاصداً الرمزية في معاني واتجاهات الشعر الذي بدأ اختياره آنذاك. فقد عبّرت معانيها عن عشق الإنسان لما هو غالٍ وقيم وخفي ودفين، سواء كان قيمة معنوية حسية أو خيالاً أسطورياً لا طريق للإمساك به أو الحلم بالحصول عليه.

وفي (من بعد ما عزّ المزار.. والليل سَهى وملت نجومو الانتظار.. والشوق شرب حزن المواويل.. وانجرح خاطر النهار)، إدهاش في تصوير الرغبة الجامحة لملاقاة العشيق بعد أن أرخى الليل سدوله، وسها شوقاً، أما ظمأ العاشق فلا ترويه أحزان الأغاني والقصيد التي تلهم انفعالاته.

وفي (كان نفسي أقول لك من زمان) لوحة مرصّعة بكل الدرر الثمينة التي يتصورها المحب أن تكون مجسدة في من يراها أميرة للحسن والجمال. ولا ننسى (أظنك عرفتي)، والتوغل في أعماق بعيدة لمكنونات النفس المنبهرة دائماً بالرائع المستتر والخيالي، في وصف مقرب من الصميم (ونهرك يعدي ويجهل مصبّه)، التي تثير الشفقة والرأفة في نفس المتلقي والمبدع والمجرب.

أما (حبوك حب قدر الحروف الحايمة في بطن الكتب) فهو منتهى التعبير عن المعزة والمودة والتضحية والإخلاص والصدق. وفي (عينيك مدن منسية في كتب التواريخ والزمن) ما أجمل أن يعيش الإنسان عبق التاريخ في روعة جمال العيون.

البعد الاجتماعي:

(وإيه الدنيا؟ غير لِمّة ناس في خير أو ساعة حزن؟)، يجسد هذا الجزء من أغنية عم عبد الرحيم ترجمةً لمأساة الإنسان السوداني البسيط، المغلوب على أمره، الذي يحمل في دواخله كل قيم الماضي ومآسي الحاضر وأمل مستقبل مجتمعنا المسكون بالمسكنة.

هذا النص يستخلص وقفتين تمثلان جدلية الحياة والموت، خاصة في وطن يعطي أولوية للتوقف عندما يرحل عزيز، أو عندما نزف أحدنا بالعديل والزين. هذه هي الحياة الاجتماعية لإنسان عُجن في معامل تراب سوداننا الحبيب، الذي يتخلله نيل قادم من أواسط أفريقيا، ماراً بأرض الأماتونج ومستنقعاتها، ليلتقي ببشريات الأسد القادم من هضاب النجاشي، في مدفن الحبل السري للحضارة السودانوية، التي منها يشع النور إلى أطراف الوطن الممدود على وتر الكابة.

وعندما تسمع راحلنا يدندن بـ (عمنا الحاج ود عجبنا في الفريق ياهو الركيزة) و (عندو كلمة على الجماعة) ، يتجسد نموذج الشخصية المحورية في مجتمعاتنا كافة، شيخ الحلة أو ناظر القبيلة أو عمدة الفريق؛ الأب الروحي، مصدر الحكمة والثقة وسداد الرأي، وبيته ملتقى اجتماعي وثقافي وسياسي. كما نلحظ (نوبة وزنوج وبجة وحلب) تعريفاً بكيمياء الانصهار العرقي الذي جمع المتنوع والمختلف لوناً وشكلاً في وجدان وروح واحدة هي (السودانوية)، المتماسكة بالقيم والمعاني لا بالمظاهر والقشور.

البعد الثوري:

لأنه جاء في زمن اكتوى فيه الناس بنيران عذابات لا تنتهي، وهو المبدع المؤمن بعدم انفصام الفنان عن وطأة هموم مجتمعه، عبّر عن هذه العذابات بأصدق تعبير في أعمال كثيرة، كملحمة (طفل العالم الثالث) التي تجاوزت الهم المحلي لتعبر عن معاناة إنسانية عالمية. وكان الأداء ثلاثياً بين الراحل والعملاق وردي وعالم الموسيقى الموصلي، فكان إنجاز الكبار.

وفي (طالما بحرك في مي.. ونخلك مفدع بالجريد.. نبنيك أكيد) دعوة واضحة لبناء الوطن، ما دامت مقوماته متوفرة. كما أن (أصلي لمن أدور أجيك) تجسيد للإرادة والتصميم على إحداث التغيير، وربطه بإرادة أبناء الوطن.

وعندما نسمع (ومرّة العسكري كسّار الجبور) ندرك مأساة شعبنا مع العسكر، وتكرار كسر الجبائر بعد كل بارقة أمل، في وعيد مرير يدعو للرثاء.

البعد الخاص:

اختار الراحل أغنيات تلمح من تفاصيلها معاناته الطويلة مع المرض، وصبره على الألم، كما في (واقف براك والهم عصف)، رغم عمومية مقصدها. وقد ذكر الشاعر عبد القادر الكتيابي أن الراحل استأذنه في تغيير مفردة (جنحات) إلى (جنحين) في أغنية (على بابك)، لتعبر عن حالته الصحية، فكان الموقف بالغ الأثر.

وفي (أرضعتني مريم الأخرى قوافي.. ثم أهدتني المنافي) تتجلى سيرته الجزيرية، ورحلته العلاجية بين المنافي، ووصايا السفر التي يتلقاها السوداني من أهله. أما (عمري ضايع في متاهات النعيم) هي مرآة لمرارة الاغتراب.

هذه مقتطفات من الجوانب الحياتية المختلفة التي تناولها إمبراطور الغناء السوداني في أعماله. وقد شكّلت مدرسته الشعرية آخر ظاهرة فنية كبرى في السودان حتى الآن، وأسهمت في تجلّي أصوات شعرية عظيمة، منهم: محمد الحسن سالم حميد، قاسم أبو زيد، عبد القادر الكتيابي، صلاح حاج سعيد، أبوذر الغفاري، خطاب، الصادق الرضي، عاطف خيري، شمو، أزهري محمد علي، عمر الطيب الدوش، يحيى فضل الله، جمال حسن سعيد، هاشم صديق، العميري، وغيرهم ممن لم تسعف الذاكرة بذكر أسمائهم.

#ملف_الهدف_الثقافي #مصطفى_سيد_أحمد #إسماعيل_عبد_الله #نقد_فني #ود_سلفاب #صحيفة_الهدف #السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.