قلم : ماجد الغوث
“أم قرون” و”الكِنداكة”: صراع الرموز في ذاكرة الح.رب والثورة بالسودان
في خضم الح.رب الدائرة في السودان، لم تكن المدافع وحدها هي، التي تتحدث، بل برزت صراعات من نوع آخر؛ صراع الرموز والهويات. ومن بين أكثر المصطلحات إثارة للجدل، يبرز اسم “أم قرون” و**”الكِنداكة”** كقطبين متضادين يعكسان انقسام الرؤى حول دور المرأة، الثقافة، والسياسة في رسم مصير البلاد.
أولاً: “أم قرون”.. سطوة الحكٌامة وضجيج الح.رب
ارتبط مصطلح “أم قرون” في العرف المحلي لمناطق دارفور وكردفان بـ “الحٌكَامة”. وهي تلك المرأة الملهمة، التي تتقن فنون “الدوبيت” والأشعار الحماسية، وتمتلك سلطة معنوية هائلة على رجال القبيلة.
1. رمزية “الشَعَرتيٌنْ”
تستمد “أم قرون” إسمها من تسريحة شَعَر تقليدية تعتمد على ضفيرتين طويلتين متدليتين على جانبي الرأس. هذه الضفائر ليست مجرد زينة، بل هي وسم للمرأة، التي تقود الوجدان الشعبي في البادية.
2. التغييب والتحريض
تلعب “أم قرون” دوراً محورياً في النزاعات القبلية؛ فهي تستطيع بتأثير أشعارها أن تفعل بعقول الرجال ما لا تفعله الخمر، حيث يغيب المنطق ويحضر الاندفاع نحو الق.تال. في الموروث المحلي، يُقال إن الرجل يخاف من هجاء “أم قرون” وضفيرتيها أكثر من خوفه من الموت، فهي التي تقود الرجال كما يقود “الدمباري” أسراب الجراد نحو وجهتها.
3. “أم قرون” كـوسم للمليشيات
مع اندلاع ح.رب 2023، انتقل المصطلح من سياقه الثقافي ليصبح لقباً يُطلق على عناصر المليشيات (الجنجويد/الدعم السريع). هذا التحول جعل من “أم قرون” رمزاً مرتبطاً في الأذهان بالانت.هاكات والنزاع المسلح، متجاوزاً أصله كقطعة ملابس تراثية أو تسريحة شعر شعبية.
ثانياً: “الكِنداكة”.. إرث الملكات ونبض الثورة
على الضفة الأخرى من النهر، يبرز مصطلح “الكِنداكة” كعنوان للمدنية والمقاومة السلمية.
1. الجذر التاريخي
“الكِنداكة” هي لقب الملكة الحاكمة في حضارة “كوش” النوبية القديمة في شمال السودان. هو لقب يعكس السيادة والقوة، التي تمتعت بها ملكات عظيمات مثل “أماني ريناس” اللواتي قدن الجيوش دفاعاً عن سيادة الدولة.
2. الكِنداكة الحديثة
في العصر الحديث، وتحديداً خلال الثورة السودانية، استعاد الشارع السوداني هذا اللقب ليطلقه على المرأة المناضلة، التي تتحدى الظروف القاسية. أصبحت الكِنداكة رمزاً للحكمة والشجاعة والمطالبة بالحقوق المدنية، لتربط قوتها المعاصرة بجذور ملكات كوش التاريخيات.
ثالثاً: المقارنة الفارقة.. بين “التحريض” و”البناء”
رغم أن كليهما يمثل المرأة السودانية القوية، إلا أن الفوارق الجوهرية ترسم ملامح الصراع الحالي:
• الأصل والجغرافيا: تنبع “أم قرون” من ثقافة البادية والقبيلة في الغرب، بينما تعود “الكِنداكة” إلى إرث الدولة والحضارة النوبية في الشمال.
• نوع القوة: قوة “أم قرون” تكمن في التحريض وشحذ الهمم للق.تال القبلي، بينما قوة “الكِنداكة” تكمن في المقاومة المدنية وبناء الدولة.
• التأثير على الرجل: يقاد الرجل خلف “أم قرون” بدافع الخوف من الهجاء أو إثبات الفروسية القبلية، بينما يسير خلف “الكِنداكة” كشريك في حلم التغيير والوطن الجامع.
إن الح.رب في السودان ليست مجرد صدام عسكري، بل هي صراع حول أي “نموذج” سيقود الوجدان السوداني في المستقبل. فبينما تُستدعى “أم قرون” في خطابات التجييش والفرز الجهوي، تظل “الكنداكة” رمزاً للأمل في عودة الدولة والمدنية. الأزمة السودانية أعمق بكثير من أن تُختزل في ملابس أو تسريحات، لكن هذه الرموز هي التي تشكل وعي الم.قاتلين .

Leave a Reply