د.أحمد الليثي
النيلُ يمضي على مهلٍ
كأنّه يفكّر،
لا يستعجل الوصول،
ولا يلتفت كثيرًا لما تغيّر على ضفّتيه.
يحمل في صمته ما لا يُقال،
ويمضي..
كأنّه يعرف أن الزمن لا يُقاس بالمسافة،
بل بما يتراكم في الذاكرة.
في القاهرة، يبدو النهر مألوفًا،
لكنّه لا يناديني باسمي.
هو النيل ذاته الذي عرفناه في طفولتنا،
غير أنّ الذاكرة هنا ليست ذاكرته،
ولا الحكايات التي يحملها تشبه حكاياتنا تمامًا.
أجلس على ضفّته،
وأشعر أنّ الماء يعرفني،
لكنّه لا يعرف قصّتي كاملة.
فالنيل، حين يعبر المدن،
يحمل أسماءها،
ويترك للغرباء أن يحملوا أسماءهم وحدهم.
أخشى أن تُطيل أزمنةُ التيه إقامتها فينا،
حتى تذوب هويتنا كما يذوب الملح في الماء.. بلا أثر.
أخشى من تيهٍ لا ينتهي،
لا يقتـ.ـلنا دفعةً واحدة،
بل يُذيبنا ببطء.
في القاهرة، لا أشعر بأنني غريبٌ تمامًا،
ولا بأنني ابنُ المكان.
شيءٌ ما في المنتصف،
مسافةٌ رمادية تتّسع كلما حاولتُ تعريف نفسي.
المدن الكبيرة لا تسلبك هويتك بالقوة،
تفعل ذلك بلطفٍ خادع؛
تمنحك الأمان،
وتطلب منك في المقابل أن تخفّف صوت ذاكرتك،
أن تؤجّل لهجتك،
أن تختصر حنينك كي لا يبدو زائدًا عن الحاجة.
أمشي في الشوارع،
وأرى وجوهًا تشبهنا،
لكنها لا تعرف أسماء قُرانا،
ولا تحفظ طعم الخوف الذي حملناه معنا.
أشعر أنني أتغيّر..
لا لأنني أريد،
بل لأن التيه، حين يطول،
يعيد تشكيل الإنسان كما يعيد النهر تشكيل ضفّتيه.
أنا هنا أيّامٌ عابرة،
أستطيع الرحيل حين أشاء،
أن أعلّق هذا التيه مؤقّتًا،
وأستعيد اسمي في مكانٍ آخر.
لكن في هذه المدينة كثيرون لا يزورون القاهرة،
بل يقيمون فيها بوصفها ملاذًا أخيرًا لا اختيارًا.
يحملون وطنهم في صدورهم،
خفيفًا في الذاكرة، ثقيلًا في القلب،
ولا يعرفون أين يضعونه.
في هذا الموضع، يصبح النهر شاهدًا صامتًا
على وجوهٍ عبرت أكثر مما اختارت،
وعلى حكاياتٍ لم تُروَ كاملة
لأن الوقت لا يتّسع لها.
هنا، الغربة ليست سؤالًا فلسفيًا،
بل ترتيبٌ يوميّ للحياة:
سكنٌ مؤقّت، عملٌ بلا أفق،
ولهجةٌ تُخفَّف تلقائيًا كي لا تفضح صاحبها.
النيل هنا لا يسأل من أين جئنا،
ولا لماذا بقينا.
يمضي كما هو، بينما نتغيّر نحن،
ونتعلّم، على ضفّته أن التيه لا يحتاج صحراء،
يكفيه نهرٌ واسع وذاكرةٌ بعيدة.
الخطر ليس في أن نتبدّل،
فالتبدّل سنّة الحياة،
بل في أن يحدث ذلك بلا وعي،
أن نصحو يومًا ولا نجد فينا ما يدلّ علينا.
أخشى من تيهٍ يطول،
لا يقتـ.ـلنا،
بل يُذيب هويتنا ببطء،
حتى نصبح قابلين للعيش في أي مكان..
إلّا داخل أنفسنا.
#ملف_الهدف_الثقافي #أحمد_الليثي #شعر #قصيدة #النيل #الغربة #القاهرة #السودان #هوية

Leave a Reply