إيليج نون
كما هو الحال مع كل عام جديد، نجلس مع أنفسنا ونحاول ترتيب ما مرّ بنا. نبحث عن درسٍ ما، أو نخطط لبدايات جديدة، أو نتمسّك بوعد صغير بأن الغد سيكون أقل قسوة. لكن العام 2025 لم يمنحنا هذه المساحة. فقد جاء مثقلًا بالأحداث، متراكمة فيه الخسارات حتى صارت جزءًا من الإيقاع اليومي للحياة في البلاد العربية.
لم يمنحنا العام وقتًا لالتقاط الأنفاس. شهدنا الح.روب والق.تل والدمار، إلى جانب موجات الجوع والنزوح والانهيارات الاقتصادية. في غ.زة، تحوّلت الحياة اليومية إلى محاولة مستمرة للبقاء على قيد الحياة. في لبنان، أرخت الح.رب الإسرائيلية بثقلها على المواطنين، مخلّفة دمارًا وتشريدًا وجرائم ق.تل لا تُحصى. وفي السودان واليمن وسوريا، تزامنت النزاعات السياسية مع فقدان الأمان والاستقرار.
وسط هذا الواقع، لم تعد المعاناة النفسية حالة فردية معزولة، بل واقعًا جماعيًا يُعاش بصمت، غالبًا مع شعور عميق بالعجز.
الصحة النفسية ليست ترفًا تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 22% من الأشخاص الذين يعيشون في مناطق نزاع أو تأثروا بها يعانون من اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة. في العالم العربي، تكتسب هذه الأرقام بعدًا إضافيًا، لأنها تكشف عن مجتمعات كاملة تواصل حياتها وهي تحاول أن تبدو “بخير”، فيما هي بالكاد تحتمل.
وتفاقم الوصمة الاجتماعية المحيطة بالاكتئاب في العالم العربي من حدّة هذا الواقع، إذ يتجنب الكثيرون طلب المساعدة خوفًا من التنديد أو الانتقاد، نتيجة ثقافة الصمت والخجل المرتبطة بالصحة النفسية. بمعنى آخر، يتضاعف العبء على الأفراد حين تترافق الصدمة مع هشاشة البنى الصحية والاجتماعية، وثقافة لا تزال تعامل الصحة النفسية كترف أو أمر يمكن تأجيله لما بعد “انتهاء الأزمات”، وكأن الأزمات تنتهي فعلًا!
وسط هذا الواقع المرير، الحديث عن “نصائح سريعة لتحسين الصحة النفسية” يبدو ملتبسًا. فالصحة النفسية، بالنظر إلى حياتنا اليومية، لا تحتاج إلى شعارات تحفيزية، بل إلى مقاربة واقعية تعترف بثقل التجربة وتبحث عن طرق ممكنة للتخفيف من آثارها، لا عن وعود سحرية بالشفاء الكامل.
مقاربة جديدة للصحة النفسية ربما تبدأ هذه المقاربة من إعادة تعريف معنى الصحة النفسية نفسها. ففي السنوات الأخيرة، جرى تسويق العناية بالنفس كوسيلة لزيادة الإنتاجية وتحسين الأداء، لا كحق إنساني أساسي. في المقابل، تشير الدراسات الحديثة إلى أن تقبّل المشاعر السلبية بدلًا من مقاومتها أو إنكارها، يرتبط بانخفاض مستويات التوتر على المدى الطويل، ويعزز القدرة على التكيّف مع الظروف الصعبة.
ممارسات صغيرة وسط الفوضى الصحة النفسية لا تُبنى في الفراغ، ولا يمكن اختزالها في جهد فردي معزول. العلاقات الإنسانية، حتى الهشّة منها، تبقى من أهم عوامل التخفيف من آثار الصدمات. وجود علاقة داعمة واحدة على الأقل يقلل الشعور بالوحدة ويحدّ من تفاقم أعراض الاكتئاب، بينما تساهم العزلة الطويلة في تعميق المعاناة.
في المقابل، قد تتحوّل بعض العلاقات إلى مصدر استنزاف نفسي، مما يجعل وضع حدود واضحة معها ضرورة صحية، لا أنانية ولا ترفًا. الأمر نفسه ينسحب على بيئات العمل، حيث أصبح الضغط المزمن، وعدم الاستقرار الوظيفي، وساعات العمل الطويلة عوامل رئيسية في تدهور الصحة النفسية. وفي هذا السياق، يصبح التوازن بين العمل والحياة الخاصة شكلًا من أشكال الرعاية الذاتية.
إلى جانب ذلك، هناك ممارسات بسيطة، إن طبقت بانتظام، يمكن أن تُحدث فرقًا ملموسًا:
- تنظيم النوم: تحسين جودة النوم مرتبط بانخفاض أعراض الاكتئاب والقلق وتحسن المزاج العام.
- التقليل من التعرّض المستمر للأخبار العنيفة، خصوصًا مساءً، لتقليل التوتر واضطرابات النوم.
- الكتابة التعبيرية عن المشاعر لبضع دقائق يوميًا، تساعد على تنظيم الأفكار وتخفيف التوتر.
- الحركة الجسدية الخفيفة المنتظمة، مثل المشي، تحفّز مواد كيميائية في الدماغ مرتبطة بتحسين المزاج وتقليل القلق.
- الحفاظ على تواصل اجتماعي بسيط ومنتظم: يقلّل الشعور بالوحدة ويدعم الصحة النفسية على المدى الطويل.
- طلب الدعم المهني عند الحاجة: العلاج النفسي الفردي أو الجماعي من أكثر الأدوات فاعلية للتعامل مع التوتر المزمن واضطرابات ما بعد الصدمة.
الاعتراف بالهشاشة أن نعترف بالحزن، والخوف، والإرهاق ليس استسلامًا. أن نقول “لسنا بخير” ليس ضعفًا. أن نقول “لا أستطيع اليوم” ليس فشلًا. كلها اعترافات ضرورية وأساسية في عملية إعادة ترميم الذات. الصحة النفسية ليست وعدًا بالتعافي الكامل، بل محاولة مستمرة لبناء علاقة مع أنفسنا، يومًا بعد يوم، بقدر ما نستطيع.
في هذا العام الجديد، ليس الهدف أن نكون أقوى مما يجب، ولا أكثر صلابة مما نحتمل، بل أن نكون أكثر صدقًا مع هشاشتنا، وأكثر استعدادًا لطلب الدعم، وأقل قسوة على أنفسنا. * كاتبة وصحفية من لبنان
#ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #الصحة_النفسية #وعي #2026 #ترميم_الذات #غ_زة #لبنان

Leave a Reply