بقلم: محمد الأمين أبو زيد
هذا السؤال مهم وعميق، لأنه يرتبط بمأساتنا ونكساتنا وانكساراتنا الوطنية منذ الاستقلال وحتى لحظة الحرب العبثية الدائرة في جغرافية السودان وهي مفتوحة على خيارات بعضها مر جدًا.
صناعة الدكتاتور المستبد لا تحدث من فراغ؛ بل هي عملية تدريجية تشترك فيها عوامل نفسية، اجتماعية، سياسية، واقتصادية مرتبطة بتداخلات عديدة.
أولاً: البيئة المهيئة فالدكتاتور المستبد لا ينشأ في فراغ؛ بل في بيئة تسمح بظهوره مثل ضعف المؤسسات أو غيابها (قضاء، برلمان، إعلام) وانتشار الخوف والفوضى (حروب، أزمات، صراعات أهلية)، سيادة سياسة أبوية تمجد الزعيم القوى أكثر من القانون.
في ظروف الانحطاط العام هذه يبحث الناس عن منقذ حتى لو كان على حساب الحرية التى تنمي الوعي وتزيد وتائره.
صعود القائد المنقذ كما يتصور المروجون له شخص يتحدث بلغة بسيطة عاطفية يعد بالأمن والاستقرار والكرامة يجعل من نفسه وصيًا على الشعب اليتيم احتقارًا، يخلق ثنائية نحن مقابل هم (البرهان يفرد إبهامه ويقول: نحن أوصياء على الشعب).
يفوّض لنفسه السلطة بمساعدة نخبة فاسدة تمنحه سلطات استثنائية (طوارئ) وتجاوزات دستورية، وهنا ببدأ التحول بالاستعلاء على الدستور والقانون، يعمل على إضعاف القضاء وإخضاع الجيش والأمن لنفسه لا للدولة، ويسيطر على الاعلام وتكريسه لأهدافه.
لا يستمر الدكتاتور المستبد بلا خوف؛ فيصنع العدو الخارجي دولة أو مؤامرة وعدو داخلى معارضة، عملاء.. الخ، فيتجه إلى القمع والسجون وإسكات النقد وتصويره كخيانة.
يعمل على تطبيع الاستبداد وترويض الناس على القمع ووضع الحرية مقابل الأمان لكأنهما نقيضان.
الدكتاتور يصنع معه الخوف والتنازل عن الحقوق.
كيف نمنع صناعة الدكتاتور؟
ليست بالمهمة السهلة لكنها ممكنة عندما تتحرك المجتمعات بوعي وصبر لصناعة التغيير الوطني الثوري من خلال:
•بناء مؤسسات قوية ودستور مدني ديمقراطي يفصل بين السلطات تنفيذية، تشريعية، قضائية.
•رفض منطق الاستثناء (الطوارئ، الصلاحيات المفتوحة) وتحديد زمن صارم ورقابة قضائية وبرلمانية للإجراءات المؤقتة إن دعت الضرورة.
•إعلام حر ومستقل وتعليم الناس التفكير النقدي الذي يمنع تحول الخطأ لنظام.
•تعليم المواطنة لا الطاعة، والحقوق قبل الواجبات، واحترام الاختلاف.
•تنظيم المجتمع المدني؛ جمعيات مهنية حقوقية ونقابات ديمقراطية وأحزاب سياسية.
•اعتبار المعارضة ضرورة لا غنى عنها وليست خيانة وضمان حق التعبير المختلف وعدم شيطنته.
•تداول حقيقي للسلطة ضمن نظام حكم ديمقراطي نزيه.
•كسر ثقافة الخوف بالتضامن المجتمعي مع المظلوم.
•وعي النخب قبل العامة، فإن صمتهم يشكل أدوات تبرير للاستبداد.
الدكتاتورية لا تبدأ بالرصاص؛ بل بالتنازل والتطبيع والمسايرة، وتتعملق بالنخب الفاسدة التي تبيع ضميرها للمستبد.

Leave a Reply