طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
في الأول من يناير 1956، رُفع العلم السـ.ـوداني ليس فقط فوق مبنى الحكم في الخرطوم، بل فوق حلمٍ عريضٍ اسمه (الدولة الوطنية). لكن بينما كانت الأعلام ترفرف، كان السؤال الأعمق يختمر في أعماق الواقع: أيُّ استقلالٍ هذا الذي يرفع عَلَماً ويخفض اقتصاداً؟ أيُّ سيادةٍ تلك التي ترفض وصاية المستعمر على السياسة، ثم تُسلِّم له مفاتيح الثروة والقرار الاقتصادي؟
لقد مرَّت سبعة عقود على تلك اللحظة التاريخية، ولا نزال نعيش المفارقة الأقسى: دولةٌ مستقلة سياسياً، لكنها مقيدة اقتصادياً؛ وشعبٌ حرٌّ عبدٌ لشروط المؤسسات المالية الدولية؛ جغرافيا واسعة تُرفَع فوقها الأعلام، لكن ثرواتها تُرفَع إلى خزائن الآخرين.
- 1 يناير 1956: ميلاد الدولة الوطنية… لا ميلاد الاقتصاد الوطني يوم الاستقلال لم يكن لحظة (ولادة) الاقتصاد السـ.ـوداني، بل كان لحظة انفصالٍ سياسي عن المستعمر، بينما بقي الاقتصاد مُرتبطاً به من خلال أربطة غير مرئية لكنها أقوى من كل الحدود. لقد ورثت الدولة الفتية نموذجاً اقتصادياً استعمارياً صمِّم لأغراض ثلاثة: أ. تحويل السـ.ـودان إلى مزرعة قطن للصناعة البريطانية، عبر مشروع الجزيرة الذي سيطر على أخصب الأراضي. ب. تأمين تدفق المواد الخام الرخيصة (قطن، صمغ عربي، ثروة حيوانية) دون تطوير قطاعات تصنيعية. ت. خلق سوق استهلاكية للبضائع البريطانية، مما قضى على الحِرَف والصناعات المحلية الناشئة. وبينما كان الخطاب السياسي يحتفل بـ(الاستقلال)، كان الاستعمار الاقتصادي يخلع بزته العسكرية ليرتدي بزة الخبير الاقتصادي، والمستثمر الأجنبي، وممثل صندوق النقد الدولي.
- الإرث الاستعماري: اقتصاد التبعية الهيكلية: لم يكن الفشل في تفكيك هذا الإرث مجرد تقصير، بل كان استمرارية مقنَّعة للنموذج الاستعماري بأدوات وطنية. فالدولة الوطنية الجديدة احتفظت بكل مقوِّمات الاقتصاد التابع: أ. التركيز على سلعة واحدة: القطن ثم النفط ثم الذهب. ب. الاعتماد على الأسواق الخارجية: 80% من الصادرات مواد خام غير مصنعة. ت. إهمال التصنيع المحلي: حتى اليوم، 90% من السلع الاستهلاكية مستوردة. ث. التبعية الغذائية: من (سلة غذاء العرب) إلى مستورد للقمح والدقيق. لقد حوَّلنا الاستقلال السياسي إلى غلاف جديد لاقتصاد قديم، وكأننا غيَّرنا السائق لكننا حافظنا على المسار نفسه.
- فشل النخب: الليبرالية الجديدة كاستعمار بأدوات محلية: الطَّبَقَة السياسية التي حكمت بعد الاستقلال – بكل تياراتها – شاركت في جريمة التبعية الاقتصادية، لكن بأشكال مختلفة: أ. النخب التقليدية (الأحزاب الطائفية): حافظت على الاقتصاد الريعي الاستعماري كي توزع الريع على قاعدة نفوذها. ب. النخب العسكرية: حوَّلت الاقتصاد إلى غنيمة حـ.ـرب، وخصخصت الدولة لتمويل الحـ.ـروب والحكم. ت. النخب الإسلاموية: أدخلت الاقتصاد في نفق (التمكين) و(الفساد المُقَنَّع) باسم الدين. ث. النخب الليبرالية: طبَّقت وصفات صندوق النقد الدولي بإخلاص أكثر من المستعمر نفسه. كل هذه النخب تشاركت في سرقة جوهر الاستقلال، وهو السيادة الاقتصادية، واختزلت السيادة في رفع الأعلام وإلقاء الخطب.
وما يجعل مأساة التبعية الاقتصادية في السـ.ـودان أكثر إيلاماً، هو أنها تمثل خيانة مزدوجة: خيانة للوطن أولاً، وخيانة لحلم التحرر القومي العربي ثانياً. فالمشروع القومي العربي، في جوهره الاقتصادي، لم يكن مجرد حلم بالوحدة السياسية، بل كان رؤية لاقتصاد عربي متكامل، قادر على تحقيق السيادة الجماعية في وجه الهيمنة الغربية. لقد ناضل رواد الفكر القومي من أجل تحرير الاقتصاد قبل تحرير الأرض، وإقامة سوق عربية مشتركة قبل إقامة البرلمان العربي الموحد.
والسـ.ـودان، بموقعه وثرواته، كان يمثل الحلقة الأقوى في هذه السلسلة الاقتصادية العربية. فلو تحقق حلم القومية الاقتصادية، لكان السـ.ـودان هو مخزن الغذاء للأمة، ومنجم الطاقة للصناعة العربية الناشئة، والجسر الطبيعي بين الوطن العربي وأفريقيا. لكن ما حدث كان العكس تماماً: تحول السـ.ـودان من عمق استراتيجي للأمة العربية إلى ساحة نهب للقوى الدولية، ومن رافعة للتحرر الاقتصادي الجماعي إلى عبء على كاهل التكامل العربي.
أما النظرية الاشتراكية، التي التقطت مبكراً خطر التبعية الاقتصادية، فقد قدمت التشخيص الأعمق: لا حرية سياسية دون تحرر اقتصادي. فما قيمة الاستقلال السياسي إذا بقي اقتصاد الوطن مستعمرةً مالية للرأسمالية العالمية؟ وكيف يمكن الحديث عن الديمقراطية بينما السلطة الحقيقية ليست في البرلمان، بل في مقار شركات التعدين العالمية، ومكاتب صندوق النقد الدولي؟
لقد أدركت الاشتراكية العربية أن العدو الحقيقي ليس المستعمر القديم وحده، بل هو النظام الاقتصادي العالمي الذي يحول الدول المستقلة ظاهرياً إلى مزارع خام للصناعات الغربية، وأسواقاً مستهلكة لبضائعها. اليوم، ونحن نستذكر استقلالاً سياسياً ناقصاً، يجب أن نستعيد هذا الوعي المزدوج: وعي القومية الاقتصادية الذي يرى في السيادة الوطنية خطوة أولى نحو التكامل القومي، ووعي الاشتراكية الذي يربط بين تحرير الأرض وتحرير الاقتصاد. فالسـ.ـودان لن يكون حراً حقاً إلا عندما يصبح اقتصاده حراً، ولن يكون عربياً حقاً إلا عندما يصبح اقتصاده جزءاً من مشروع التحرر الاقتصادي العربي الشامل.
فالاستقلال الاقتصادي ليس خياراً وطنياً فحسب، بل هو التزام قومي تجاه الأمة العربية، وضرورة اشتراكية لتحقيق العدالة الاجتماعية. وهو المعنى الحقيقي للتحرر الذي ناضل من أجله جيل الاستقلال، والذي ما زال ينتظر منا أن نحققه.
- التحول من الدولة الواعدة إلى الاقتصاد التابع: مسار التراجع المنطقي: الأرقام تُخبر القصة الأقسى: أ. 1956: كان القطن يشكل 60% من الصادرات، وكان السـ.ـودان يُصدِّر الغذاء. ب. 2024: الذهب يشكل 70% من الصادرات، والسـ.ـودان يستورد 60% من غذائه. ت. عائدات النفط (قبل انفصال الجنوب): بلغت 11 مليار دولار سنوياً، لم يتحول منها إلى تنمية حقيقية سوى الفتات. ث. الدَّين الخارجي: من صفر تقريباً في 1956 إلى 56 مليار دولار اليوم. لقد تحوَّلنا من اقتصاد إنتاجي واعد في الخمسينيات، إلى اقتصاد ريعي هش، إلى اقتصاد حـ.ـرب يعتمد على تهريب الذهب والمساعدات الدولية.
- الاستقلال اليوم: ذكرى أم مشروع لم يُنجز؟: في الذكرى الثامنة والستين للاستقلال، لا نحتاج إلى احتفالات، بل إلى محاكمة تاريخية: أسئلة المحاكمة: أ. كيف قبلنا بأن يظل اقتصادنا خادماً لاقتصادات الآخرين؟ ب. لماذا لم نطوِّر صناعة تحويلية تحوِّل القطن إلى أقمشة، والثروة الحيوانية إلى لحوم مصنعة؟ ت. كيف سمحنا بتحويل الأراضي الزراعية إلى سلعة للمستثمرين الأجانب بينما شعبنا جائع؟ ث. لماذا قبلنا بالعجز الدائم في الميزان التجاري (يستورد السـ.ـودان ضعف ما يصدره)؟ الخلاصة المؤلمة: الاستقلال السياسي الذي نحتفل به لم يكتمل، لأنه بقي نصف استقلال. ونصف الاستقلال هذا هو أخطر من الاستعمار الكامل، لأنه يعطينا وهم السيادة بينما يسلِّم واقعنا الاقتصادي للهيمنة.
- نحو استقلال ثانٍ: استعادة السيادة الاقتصادية: الاستقلال الحقيقي يبدأ اليوم، وليس في الأول من يناير 1956. وهو لا يحتاج إلى رفع أعلام، بل إلى: أ. الوقف الفوري غير المشروط للحـ.ـرب اللعينة. ب. بناء الدولة المدنية الوطنية التعددية. ت. سيادة غذائية: وقف استيراد القمح خلال خمس سنوات عبر إحياء الزراعة السـ.ـودانية. ث. سيادة صناعية: تحويل 30% من الصادرات إلى منتجات مصنعة خلال عقد. ج. سيادة مالية: إعادة هيكلة الديون والخروج من برامج صندوق النقد الدولي. ح. سيادة القرار: رفض الشروط الأجنبية على مواردنا الطبيعية.
الخاتمة: (الاستقلال مشروع، وليس ذكرى): في الأول من يناير 2025، يجب أن ننظر إلى استقلالنا ليس كذكرى ماضية، بل كمشروع مستقبلي لم يُنجز بعد. الاستقلال الحقيقي لا يُعطى، بل يُؤخذ. ولا يُمنح في حفل، بل يُبنى في المعامل والحقول والمصانع.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بقوة: هل نستحق أن نحتفل باستقلال سياسي، ونحن أمة مستعبدة اقتصادياً؟ هل يمكن أن نرفع علم الاستقلال فوق مبنى، ونخفض علم السيادة على اقتصادنا؟ الجواب يبدأ عندما نقرر أن يكون الأول من يناير القادم ليس ذكرى لاستقلال مضى، بل انطلاقة لاستقلال آتٍ. استقلال يكتب فصله الاقتصادي بأيدي السـ.ـودانيين، وبقرار سـ.ـوداني، وحلم سـ.ـوداني. فالاستقلال لم يكتمل بعد، وهو ينتظر منا أن نكمله.

Leave a Reply