كلمة العدد: استقلال الســودان

صحيفة الهدف

في الذكرى السبعين لاستقلال الســودان، لا يقف السؤال عند ما إذا كنا قد نلنا الاستقلال، بل عند أيّ استقلال نلنا، وأيّ دولة تركنا تتكوّن على أنقاضه. فالأمم لا تُقاس أعمارها بعدد السنوات التي مضت منذ إنزال علم ورفع آخر، بل بقدرتها على تحويل لحظة التحرر السياسي إلى مشروع تاريخي متكامل، يُنتج دولة، ويبني اقتصاداً، ويصون الإرادة الوطنية. ومن هذه الزاوية، يبدو استقلال السـ.ـودان حدثاً مؤجَّل الاكتمال، لا لأنه لم يُعلن، بل لأنه لم يُنجَز.

لقد خرج السـ.ـودان من الاستعمار السياسي، لكنه دخل، مبكراً ودون حصانة فكرية أو مؤسسية، في استعمار اقتصادي ناعم، تجلّى في الارتهان لاقتصاد السوق بوصفه قدراً لا خياراً، وفي ربط مصير الدولة الناشئة بالأنظمة والمؤسسات المالية الدولية، حيث أُعيد تعريف (التنمية) بمعايير خارجية، وأُفرغت السيادة الاقتصادية من مضمونها. وهكذا، تحوّل الاقتصاد من أداة للتحرر إلى أداة لإعادة إنتاج التبعية، ومن وسيلة لبناء الدولة إلى قيدٍ يكبّلها.

إن مأساة الاستقلال السـ.ـوداني لا تكمن فقط في تعثّر النمو أو هشاشة الدولة، بل في غياب الرؤية الاقتصادية التحررية التي تربط الاستقلال السياسي باستقلال القرار الاقتصادي. فاقتصاد بلا قاعدة إنتاجية وطنية، وبلا تحكّم في الموارد، وبلا اندماج واعٍ في محيطه القومي، لا يمكنه إلا أن يكون اقتصاداً تابعاً، مهما تغيّرت الحكومات أو تبدّلت الشعارات. ومن هنا، يصبح السؤال القومي ملحّاً: هل يمكن للسـ.ـودان أن يحقق استقلاله الكامل خارج أفقه العربي، وخارج مشروع اقتصادي قومي يحرّره من العزلة، ويمنحه عمقاً استراتيجياً، وسوقاً طبيعية، وقدرة تفاوضية في مواجهة الإمبريالية العالمية؟

بعد سبعين عاماً، يبدو الاستقلال السـ.ـوداني أقرب إلى وعد تاريخي لم يُفَعَّل، منه إلى إنجاز مكتمل. وعدٌ ينتظر إعادة تعريف، لا بوصفه ذكرى تُحتفل، بل بوصفه معركة مفتوحة: معركة بناء الدولة، وتحرير الاقتصاد، واستعادة المعنى الحقيقي للاستقلال، كفعل سيادي، ووطني، وقومي، وتنموي في آنٍ واحد.

وإذا كان الاستقلال غير المكتمل قد أضعف الدولة، فإن الحـ.ـرب الجارية اليوم لا تكتفي بتعطيل مشروعها، بل تعمل على تفكيك ما تبقّى منها. فهذه الحـ.ـرب ليست حدثاً عابراً في تاريخ السـ.ـودان، بل تعبيراً صارخاً عن فشل الدولة الوطنية القطرية في احتكار العنف المشروع، وفي إدارة التناقضات السياسية والاقتصادية ضمن إطار وطني جامع. إنها حـ.ـرب تستهلك الإنسان قبل السـ.ـلاح، وتدمّر الاقتصاد قبل الجغرافيا، وتحوّل موارد البلاد من إمكانات للتنمية إلى وقودٍ للصـ.ـراع.

في ظل الحـ.ـرب، يسقط آخر ما تبقّى من معنى الاستقلال: تتشظّى السيادة، تُرهن القرارات الاقتصادية لقوى خارجية أكثر قسوة، وتُفتح البلاد على مصراعيها لتدخلات إقليمية ودولية لا ترى في السـ.ـودان سوى ساحة نفوذ أو مخزن موارد. ولذلك، فإن وقف الحـ.ـرب ليس موقفاً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة وطنية واستقلالية بامتياز؛ فلا دولة تُبنى تحت القـ.ـصف، ولا اقتصاد وطني يُستعاد في ظل اقتصاد الحـ.ـرب، ولا مشروع قومي يمكن أن يولد من رحم الانقسام والدمار.

إن إنهاء الحـ.ـرب شرطٌ أولي لأي حديث جاد عن استكمال الاستقلال، وعن إعادة بناء الدولة على أسس السيادة والعدالة والاقتصاد المنتج. فالسـ.ـودان لا يحتاج إلى إدارة أزمة دائمة، بل إلى خيار تاريخي حاسم: إما دولة تُنقذ نفسها بوقف الحـ.ـرب وإعادة توحيد المجتمع والاقتصاد، أو كيان مُنهك تُدار أزماته من الخارج باسم (الاستقرار) و(المساعدات). ومن هنا، يصبح السـ.ـلام ليس نهاية للصـ.ـراع فحسب، بل بداية متأخرة لمعركة الاستقلال الحقيقي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.