أزمة الثقافة السودانية المعاصرة: حلول ومعالجات

صحيفة الهدف

د.نائل اليعقوبابي

إن نظرة سريعة إلى الواقع السـ.ـوداني المعاصر، ومحاولة إلقاء الضوء على جوانبه الاجتماعية والثقافية، والسياسية والاقتصادية، تشير إلى أن هناك أزمة مريرة يعاني منها الشعب، وإن هناك مستنقعاً من الجهل والتخلف يتخبط فيه، يخال من ينظر ويراقب أنه من المحال الخروج منه، أو النجاة من ظلماته وأوحاله، لاسيما وإن المواطن في بلادنا بات على علم بما تنعم به الدول المتمدنة من تقدم وازدهار، وحرية ورخاء، على الرغم من الأزمة الاقتصادية التي تمر بها.

إن الأزمة التي يعيشها المجتمع السـ.ـوداني تحول دون الوصول إلى القرارات الصعبة في مواجهة هذا الواقع، ودفع عجلة التغيير للخلاص، والعمل بأسس الحضارة الحديثة ومقوماتها، ولا يكون هذا إلا بالخروج من حالة الاغتراب عن العصر والزمن، وخلع عباءة التخلف والخوف والجمود، وارتداء حلة الحداثة العلمية والأدبية، والاجتماعية والاقتصادية، والفلسفية، والتسلح بثقافة التغيير المطرز بقيم النبالة والانتماء السـ.ـوداني الأصيل، والمنقاة في الآن نفسه من الفكر الخرافي والغيبي، ومن قيم التخلف والشعوذة والتزمت والتعصب الديني، والدين من هذا كله براء.

ويكاد لا يخفى على أحد أن الأصوات التي ترتفع موجهة تهمة القبح والشر والوحشية على عصرنا، وتلك التي توجه تهمة التفاهة والسوء له، نسيت هذه الأصوات أن الذي فرض هذا القبح وهذه الوحشية وهذه التفاهة هو الإنسان ذاته، وأن الثقافة التي تطغى على العصر هي التي فرضت هذه المساوئ، والثقافة المنتشرة هي المسؤولة أولاً وأخيراً عن هذا القبح وهذه الوحشية، وعن الكثير من الكوارث السياسية والاقتصادية التي تقض مضجع المجتمع السـ.ـوداني. وإن كان ثمة تغيير يطمح إليه المجتمع السـ.ـوداني، فيجب أن يحصل قبل كل شيء في الثقافة، لأنها منطلق أي حراك سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي.

ولهذا تسعى القوى المحافظة على تهميش الثقافة والحفاظ على التقاليد الموروثة بعجرها وبجرها، لتحافظ على مكتسباتها ومصالحها، والحيلولة دون أي تغيير في الثقافة والواقع، حيث يبقى الركود سيد الموقف، والجمود والثبات عنوان المرحلة السـ.ـودانية الراهنة، وحتى يصبح المواطن السـ.ـوداني العادي أو المتلقي في أحسن الأحوال ضحية الدعاية الهوجاء الخادعة، وتتحول الجماهير إلى جوقة في عرس مزيف، تضيع فيه أصوات المبدعين والمثقفين في ضجيج الدفوف والمزامير والطبول والهرج والمرج… لاسيما وأن آلة الإعلام الفضائية التي تجتاح السمع والبصر والأفئدة والعقول تبث فيها من سمومها ما يجعلها في غيبوبة وخدر، وتبعدها عن القضايا المصيرية، محلقة بها في غياهب التخلف وجحيم الجسد والفكر الغيبي، والانحطاط الخلقي، ومقصية الأجيال الصاعدة عن القضايا المصيرية، والوطنية والإنسانية.

إن الإنسان عندما يقبل بما يتعرض له من ظلم واضطهاد، ويستسلم لضعفه أمام جبروت ظالميه وآلتهم الإعلامية والثقافية الطاغية ويتركهم يتحكمون بجسده وعقله ومشاعره وغرائزه، يتحول إلى سلعة في أيديهم، يتاجرون به ويقامرون، ويحققون أهدافهم القذرة، وغاياتهم الخسيسة التي لا تخفى وحشيتها وبدائيتها وهمجيتها على أحد.

لا شك أن الرفض والتمرد على السائد والمألوف يتحول إلى رغبة ولذة تتحقق من خلال الإرادة والقوة لتحقيق الكينونة، ولا يحصل هذا إلا من خلال التزود بثقافة متنوعة جادة يستطيع من يتزود بها أن يواجه عصره بأسئلة الباحث عن خلاصه وقيمه الضائعة، فالمثقف لا يكتفي بالعرض والتصوير، بل يسعى إلى التغيير وطرح البديل، وتقديم الرؤية المغايرة، وطرح الأسئلة دون خوف.

كيف يستطيع المثقف السـ.ـوداني أن يجد الجواب في غمرة الثقافة السـ.ـودانية الموروثة والتي يسيطر عليها الهوس الديني التراثي التقليدي الذي يسبح في فضاء الغيبيات والأساطير والخرافات؟ لكن بعد كل هذا يبقى المثقف الحقيقي الواعي لهموم أمته وآلامها، وحده القادر على تحويل هذه الآلام والأحزان إلى أسئلة تسهل الإجابة عليها. إن المثقف الحقيقي هو الذي لا يقبل المنطق الزائغ والأقوال المهترئة البالية، وهو الذي يتمرد على كرسي الطاعة الذي ولد معنا.

إن رهان الثقافة خيار لا بد منه إن أردنا لمجتمعنا النهوض، وهذا الرهان ليس سهلاً لأن الثقافة المضادة، ثقافة التدين الكاذب، ثقافة الاستهلاك، والانحراف، ثقافة السلطة المستبدة، حتمت ولادة الصراع بين رافعي راية الحرية وبين كرادلة التقاليد وأصنام الجمود والتخلف من أزلام الكيزان، والقياصرة الجدد الذين يدمنون فرقعة السياط. ويشهرون السيف في وجه أرباب الكلمة والمثقفين الذين يتعبدون في محراب الحرية لا يأبهون بتهديد أو وعيد ويرفضون الانصياع والانحناء، خشية ألا يستطيعوا النهوض ثانية، فيخسر الوطن ضميره، والوحي رسوله وبيانه.

أقول قولي هذا وأستغفر الوطن لي ولكم. فيا فوز المستغفرين!.

#ملف_الهدف_الثقافي #أزمة_الثقافة #نائل_اليعقوبابي

 

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.