19 ديسمبر.. الشارع ينهض من تحت الركام ويعلن الـ ح.رب على الـ ح.رب

صحيفة الهدف

د. جمال الجاك

مقدمة:

لم يخرجوا ليحتفلوا.. خرجوا ليحاكموا في التاسع عشر من ديسمبر 2025، لم يخرج السودانيون لإحياء ذكرى، بل خرجوا لفتح ملف الجريمة من جديد. لم تكن المواكب طقسًا رمزيًا، ولا فعلًا عاطفيًا، بل اتهامًا مباشرًا لكل من أشعل الـ ح.رب، وباركها، وصمت عنها، وتاجر بدماء الناس تحت أي لافتة. خرج الشارع من قلب الدمار، من مدن محترقة، وقرى منسية، ومعسكرات نزوح، ليقول جملة واحدة واضحة لا تحتمل التأويل: ثورة ديسمبر لم تمت.. وأنتم لم تنتصروا. وفي اللحظة التي علا فيها صوت الهتاف، سقط القناع نهائيًا عن وجوه الكيزان والبلابسة، فخرجوا من جحورهم بلغة الشتيمة والتهديد، كمن يُفاجأ بأن ضحيته ما زالت على قيد الحياة.

أولًا: 19 ديسمبر ليست ذكرى.. إنها محكمة شعبية مفتوحة ديسمبر ليست تاريخًا في الروزنامة، بل لعنة سياسية تطارد أعداء الشعب. هي اليوم الذي انكسر فيه مشروع الإسلام السياسي، وسقطت فيه أسطورة “التمكين إلى الأبد”. خروج المواكب في هذا التوقيت بالذات يحمل معنى واحدًا: لا شرعية للـ ح.رب، لا شرعية للعسكر، لا شرعية للكيزان. ولا مستقبل للسودان دون اقتلاع هذه المنظومة من جذورها. الشارع قالها بوضوح لا يحتاج إلى مترجم: الـ ح.رب ليست قدرًا.. الـ ح.رب قرار سياسي اتخذته قوى تعرفها الجماهير بالاسم.

ثانيًا: حين يصبح الوعي أخطر من الرصاص ما أخاف الكيزان والبلابسة لم يكن عدد المتظاهرين، بل عودة الوعي. الوعي الذي يقول: إن الـ ح.رب هي الامتداد الطبيعي لانقلاب أكتوبر. وإن الانقلاب هو الابن الشرعي للكيزان. وإن من يشعل الـ ح.رب لا يحق له ادعاء الوطنية. مواكب 19 ديسمبر كسرت خطاب “ما في بديل”، وفضحت كذبة “البلد بتحترق ولازم نسكت”، وأعادت تعريف الوطنية بوصفها موقفًا ضد الـ ق.تل، لا تبريرًا له. هذه المواكب لم تطلب إذنًا من أحد، ولم تنتظر تسوية، ولم ترفع شعارات رمادية؛ رفعت الحقيقة عارية.. ولذلك ارتبك القتلة.

ثالثًا: الكيزان والبلابسة.. فزع مكشوف لا قوة ردود فعل الكيزان والبلابسة لم تكن سياسية، بل عصبية، هستيرية، سوقية؛ لأنهم يدركون حقيقة واحدة: ديسمبر إذا عاد، فلن يرحم. الشتائم، والتخوين، والدعوة للـ ق.تل، والتحريض العلني ليست دليل قوة، بل دليل خوف مرضي من الشارع الذي أسقطهم ذات مرة، ولا يزال يملك القدرة على ذلك. هؤلاء لا يخافون على الوطن، لا يدافعون عن الدولة، ولا يحمون المجتمع؛ هم فقط يحمون مصالحهم، يخشون الحساب، ويرتعبون من ذاكرة لا تموت.

رابعًا: معركة الذاكرة.. ولماذا يريدون دفن ديسمبر؟ لأن ديسمبر تفضحهم. تفضح كذبهم باسم الدين، تفضح فشلهم في الحكم، وتفضح مسؤوليتهم المباشرة عن كل هذا الخراب. لذلك يريدون تشويه الثورة، شيطنة الشارع، تحميل الضحية ذنب الجريمة، وتسويق الـ ح.رب بوصفها “حلًا”. لكن مواكب 19 ديسمبر قالت بوضوح: ذاكرتنا أقوى من دعايتكم.. وشهداؤنا ليسوا مادة للتفاوض.

خامسًا: لا حياد في معركة الدم أعادت 19 ديسمبر طرح السؤال الأخطر: أين تقف؟ مع الشارع أم مع السلاح؟ مع الحياة أم مع تجار الموت؟ مع الثورة أم مع من ذبحها؟ لا توجد منطقة وسطى، ولا لغة “كلنا غلطانين”، ولا مساواة بين الضحية والجلاد. ومن يهاجم المواكب اليوم إنما يعلن موقعه بلا لبس: في معسكر الـ ح.رب، ضد الشعب.

خاتمة: ديسمبر لا تُستدعى.. ديسمبر تنفجر ما حدث في 19 ديسمبر 2025 ليس حدثًا عابرًا، بل بروفة غضب قادم. رسالة الشارع كانت واضحة: لن نخاف، لن نصمت، لن ننسى، ولن نمنح القتلة فرصة إعادة تدوير أنفسهم. ديسمبر ليست ماضيًا نُحييه، ديسمبر حاضرٌ يطاردكم، ومستقبلٌ لن يكون لكم فيه مكان. والثورة.. حين تعود، لا تعود لتتفاوض، بل لتقتلع.

#ملف_الهدف_الثقافي #ثورة_ديسمبر #جمال_الجاك #السودان #لا_للحرب

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.