د.أحمد الليثي
ليست ذكرى ثورة ديسمبر موعداً للاحتفال بقدر ما هي لحظةُ محاسبةٍ للذاكرة والضمير. في ديسمبر، لم يخرج الناس طلباً لترفٍ سياسي، بل خرجوا لأن الحياة ضاقت حتى اختنق الحلم، ولأن الصمت صار تواطؤاً.
كانت ديسمبر حدثاً أخلاقياً؛ لحظةً نادرةً تواطأت فيها الشجاعة مع البساطة: حرية، سلام، وعدالة. ثلاث كلمات دُفع ثمنها فعلاً: دماً، واعتقالاً، ونفياً، وانكساراتٍ شخصية لا تُحصى. في ديسمبر، انكشف السودان على صورته الأجمل: شعبٌ يبتكر أدواته، ويصنع لغته، ويُعيد تعريف السياسة بوصفها فعلاً جماعياً نظيفاً.
لكن الذكرى اليوم موجِعة؛ لا لأن الثورة أخطأت، بل لأن الثورة التي أسقطت رأس النظام لم تُسقط بنيته العميقة، ولأن من خافوا من ديسمبر حاصروها بالـ ح.رب. ح.ربٌ لم تكن قطيعةً مع الماضي، بل ذروته العنيفة. ومع ذلك، فإن خيبة المسار لا تُلغي صدق البداية؛ فديسمبر كسرت قداسة الخوف، وأسقطت وهم (البديل المستحيل).
في هذه الذكرى، نُفسِح لحظةَ صمتٍ للذين دفعوا الثمن الأعلى: لمن رحلوا وهم يفتحون الطريق بدمهم، ولمن بقوا يحملون آثار الرصاص في الجسد والذاكرة، ولمن تفرّقوا في المنافي. ندعو للذين رحلوا سلاماً يليق بنقائهم، وللفاقدين صبراً لا يُنكر الوجع، بل يجعله قابلاً للاحتمال. ديسمبر ليست ذكرى تُستدعى للحنين، بل معيارٌ يُقاس به الحاضر.
#ملف_الهدف_الثقافي #ثورة_ديسمبر #السودان #حرية_سلام_عدالة #ذاكرة_الثورة

Leave a Reply