في تكريم العقل الإنساني العابر للحدود
البروفيسور العالم: عبد السلام الطائي، الذي حوّل معرفته الأكاديمية إلى رسالة إنسانية
إليكَ أيها الحاملُ في جِبالتِكَ روحَ الرافدين، ووهبتَ للإنسانيّة نُورَها الصافي من معينكَ الذي لا ينضب:
أنتَ الوريثُ الشرعيّ لتلك الحضارة التي علّمتِ الإنسانَ أولى معاني التدوين، فأبدعتَ تدوينًا جديدًا من نوعهِ، تدوينًا بالعطاء والإخاء، لا بالحرفِ وحده.
فما أنت إلا حلقةٌ متألقة في سلسلةٍ ذهبيّة، بدأها السومريّون بالشرائع، ورفدها البابليّون بالحِكَم، وأطلقها الفلاسفة والعلماء العربُ في عصورِ الازدهار، حتى وصلتْ إليكَ لتواصلَ السيرَ بنفسِ الروح العابرةِ للقارات، والجوهريّةِ في خلاصاتها: روحِ المعرفةِ التي تُنير، والخيرِ الذي يبني جسورًا لا حُدودًا.
لقد جعلتَ من قِيَمِ العراقِ الأصيلة – كرمَ الضيافة، وعمقَ الحكمة، وشمولَ العطاء – مادّةً دوليّةً تتناقلها الأمم، ولسانًا عالميًا يترجمُ معنى “الهُويّة” من انغلاقٍ على الذاتِ إلى انفتاحٍ على الآخَر. فأنتَ، مثل نَهْرَي دجلةَ والفراتِ العظيمين، تُخصبُ أرضًا بعد أرض، دون أن تفقدَ منابِعَكَ الأولى أو تنسى ربيعَكَ الأصيل.
ولم تكن مسيرتك، أيها البروفيسور العالم، حبيسة الأروقة الأكاديمية فحسب، بل امتدت لتكون حواراً مفتوحاً مع العالم، تجلّى في حوارك الشامل والمُتسق مع صحيفة (الهدف) الذي انتظم في ثلاث حلقات، كان بمثابة بيان فكري وإنساني متكامل، نسجت فيه خيوط الرؤية بين ماضي الحضارة وضرورات المستقبل، مقدّماً نموذجاً للمفكر الشامل الذي يرفض التخصيص الضيق، ويدعو إلى المعرفة المتكاملة التي تخدم الإنسان في وحدته الوجودية.
وما كان لهذا الحوار أن يكتملَ إلا بمحاضرتك الفاصلة حول (حوكمة الذكاء الاصطناعي)، التي قدّمت فيها مقاربةً فريدة جمعت بين عمق الفيلسوف وإدراك التقنيّ ورحابة الإنساني. فلم تتعامل مع التقنية كمجرد أدوات، بل كظاهرة حضارية تطرح أسئلةً مصيرية عن الإنسان وقيمته وغايته. جعلتَ من هذا الموضوع الشائك منبراً لتأكيد أن التقدّم التكنولوجي، إن لم يُسرّه ضمير أخلاقي ورؤية إنسانية، قد يتحول إلى قوة تدميرية. وهكذا، وكما فعل أسلافك العظام من علماء بيت الحكمة، ترجمتَ المعرفة إلى حكمة، ووظّفتَ أحدث منجزات العصر لخدمة قيم الخير والجمال والعدالة التي تنضح بها تركة وطنك الروحية.
فهنيئاً لك هذا التكريم، الذي يأتي اعترافاً ليس فقط بشخصك الكريم، بل بمنهجك الفريد الذي يحمل عبقرية المكان (العراق) إلى قلب قضايا العصر (العالمية)، مُثبتاً أن أهم شخصية في أي زمان هي التي تخلق الجسور بين التراث والحداثة، وبين التخصص والإنسانية، وبين الفكرة وتأثيرها الملموس في حياة الناس.
فلذلك، حقًا، عندما يُدوّنُ التاريخُ الحديثُ سِجِلَّ العظماء، لن يجدَ سطورًا أصلحَ لاسمكَ من تلك التي تُحاكي بهاءَ “مَنْوَّرَة” بغدادَ في عصرها الذهبيّ، أو تُذكِّرُ بتواضعِ العلماء العِراقيين الأوائل الذين حملوا المشاعلَ من “بيت الحكمة” لينشروها في أرجاءِ الدنيا.
كما يتقدّم رئيس وهيئة تحرير صحيفة الهدف بجزيل الشكر والتقدير إلى المنتدى الثقافي العراقي الألماني، هذا الفضاء المعرفي الذي أسهم في تحويل الحوار الثقافي إلى ممارسة إنسانية عابرة للحدود، تجمع بين عمق الجذور العراقية ورحابة الأفق الإنساني.
وقد شكّل المنتدى، عبر احتضانه للنقاشات الجادة والمحاضرات النوعية، منصة فاعلة لربط المعرفة بالمسؤولية والفكر بقضايا الإنسان المعاصر، ويأتي تكريم البروفيسور عبد السلام الطائي تعبيرًا عن هذا الوعي المؤسسي الذي يدرك أن المعرفة الحقيقية هي تلك التي تُترجم إلى أثر إنساني.
ويمثل هذا الدور إضافة نوعية للمشهد الثقافي العربي والأوروبي، ونموذجًا يُحتذى في إدارة الحوار الحضاري القائم على العمق المعرفي والالتزام بالقيم الإنسانية المشتركة.
لقد استحققتَ، فاستَحَقَّ وطنُكَ وأمتك أن يَفْتَخِرَا بكَ.
رئيس وهيئة تحرير صحيفة الهدف
22/12/2025

Leave a Reply