🪶*محمد الأمين أبو زيد*
تطرح هذه المقولة المتداولة سياسيًا وفكريًا عدة تساؤلات موضوعية وفلسفية وقانونية. ولكن قبل الإجابة عن التساؤلات المثارة حول المقولة ونقدها لابد من الإشارة والتعريف بمفهوم الدين والدولة وفك الاشتباك المصطنع بينهما.
*الدين* هو منظومة من العقائد والقيم والتشريعات، التي تنظم علاقة الإنسان بالله وتوجه سلوكه الأخلاقي والروحي، وقد تتضمن عبادات وأحكام تنظم حياة الفرد والمجتمع.
*الدولة**هي كيان سياسي منظم يضم شعبًا يعيش على إقليم محدد، وله سلطة حاكمة تمارس السيادة وتضع القوانين لتنظيم شؤون المجتمع وتحقيق الأمن والمصلحة العامة. تلخيصًا هي أرض وشعب وسيادة.
*مقولة* دين الدولة الرسمي تستخدم لوصف موقف دستوري أو قانوني تتبناه بعض الدول، ومفادها أن الدولة تعلن انتماءها أو مرجعيتها الدينية رسميًا. لكن هذا الوصف يثير سؤالًا جوهريًا فلسفيًا وقانونيًا هل للدولة دين أصلًا؟ فالدولة من حيث المفهوم كيان قانوني وسياسي وليست شخصًا يؤمن أو يعتقد بدين، والدين فعل إيماني فردي يخص الإنسان.
حين يذكر في الدستور أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام أو أن الدولة تتبنى المسيحية فهذا يعني عدة أمور منها:
-أن التشريع يستلهم من هذا الدين وأنه مصدر أساسي من مصادر التشريع.
•أن هوية المجتمع التاريخية والثقافية مرتبطة بهذا الدين.
•أن مؤسسات الدولة تراعي هذا الدين فى بعض
القوانين كقانون الأحوال الشخصية مثلًا.
لاتعني المقولة فرض الدين على المواطنين أو نفي حقوق اتباع الديانات الأخرى، فالدولة يجب عليها رعاية حقوق الجميع بعدالة ومساواة وتضمن حرية المعتقد.
الدولة العادلة تحمي حرية الاعتقاد ولاتميز بين المواطنين ولاتكره أحد على دين، الدولة لاتؤمن ولاتعتقد.
*مقولة**دين الدولة الرسمي تعبير سياسي دستوري لاعقدي ديني، إذن القيمة الأساسية تقاس بالعدالة والحرية والمساواة.
انتقد هذه المقولة “مفكرون عرب وغربيون” سنورد نماذج لنقدهم أدناه:
•علي عبدالرازق في كتابه الإسلام وأصول الحكم 1925أنكر وجود نص ديني يفرض دولة دينية ودعا إلى الفصل بين السلطة والسياسة والدين.
-محمد أركون انتقد تقديس الدولة للدين، وقال أن الدولة حين تتبنى دينًا رسميًا تحوله إلى أداة آيدلوجية، ودعا إلى علمانية تضمن حرية الاعتقاد.
•نصر حامد أبوزيد رفض احتكار الدولة أو الجماعات لتفسير الدين، وأن هذا يؤدي لقمع التعدد الديني والفكري.
•عبدالله العروى اعتبر أن الدولة الحديثة لاتنسجم مع مرجعية دينية رسمية، وفي رأيه أن مقولة الدين الرسمي يعرقل الحداثة السياسية.
•صادق جلال العظم نقد استخدام الدين كمرجعية تشريعية للدولة ودافع عن علمانية تحمي الدين من التسييس.
•هشام جعيط فرق بين الإسلام كدين والدولة كمؤسسة تاريخية بشرية.
•جون لوك في رسالة التسامح رفض فرض دين رسمي ودافع عن حرية المعتقد والفصل بين الكنيسة والدولة.
•باروخ
سبينوزا رأيه أن الدولة عندما تتبنى دينًا تقمع حرية التفكير داعيًا لحرية التأويل الديني.
•جان جاك روسو انتقد الأديان الرسمية، التي تفرض الولاء السياسي.
•فولتير هاجم تحالف الكنيسة مع الدولة واعتبر الدين الرسمي مصدرًا للتعصب والاضطهاد.
•جون استيوارت مل رأى أن الدين الرسمي يقيد الحرية الفردية ودافع عن حياد الدولة تجاه المعتقدات.
•يورغن هابرماس دعا إلى دولة محايدة دينيًا ورفض هيمنة أي دين على المجال السياسي العام.
اغلب المفكرين المشار إليهم عربًا وغربيين يشتركون في أفكار أساسية أن مقولة الدين الرسمي تقييد للتعدد والحرية، وتسييس للدين يفسده ويضر بالدولة، وأن الدولة المحايدة تحمي الدين والمجتمع معًا.
الموضوع متشابك مع مفاهيم الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة والدولة العلمانية والدولة الدينية.

Leave a Reply