يوسف الغوث
يمتزج الصوت بروح المكان، فتختلط الأشجان ويتدفّق الحنين، ثم يفيض النهر.. يدلف الناس، على اختلاف أذواقهم الفنية، لينصبوا أحلامهم على الضفاف. ولا يبقى في الجزيرة شاعرٌ أو مبدعٌ أو صاحب موهبةٍ إلا وأتى.. إذا تأمّلت صوته، أو أصغيت إلى دندَناته، تساقطت الأوهام والهواجس، وإذا شققت صدر النهر وجدته واقفًا أمامك، ينسج أغنيات ومواويل من زمنٍ آخر..
إنه الفنان محمد مسكين، ابن الحِلّة الجديدة بمدينة ود مدني. وُلد الفنان محمد يوسف خميس عام 1936، وكانت بداياته الفنية تحت شجرة عَلَم ود صفية، تلك البائعة التي اشتهرت ببيع وجبة الإفطار تحت شجرتها الظليلة بالحِلّة الجديدة. وقد شكّلت تلك الشجرة الكثيفة نقطة الانطلاق للفنان محمد مسكين؛ إذ كان يقيم تحت ظلالها الوارفة بروفاته، ويلتقي فيها بأصدقائه الفنانين، أمثال الفنان رمضان زائد وغيرهم من فناني جيله. كما كانت شجرة علم ود صفية ملتقى لأعضاء فرقته الموسيقية، ومكانًا بديعًا يجد فيه راحته.
بزغ نجم الفنان محمد مسكين في مطلع خمسينيات القرن الماضي، بعد أن قامت الإذاعة السودانية بتسجيل عدد من أعماله الغنائية، من بينها أغنية “أرض المحنة”؛ تلك الأغنية العميقة والمعبّرة التي أهداها له صديقه الشاعر فضل الله محمد. تأثّر الفنان محمد مسكين بالفنان الذري إبراهيم عوض، وردّد كثيرًا من أغانيه. وسبق صوته الطروب الشجي ذهابه إلى العاصمة؛ إذ حضر إليه الأستاذ حسن محمد علي، مقدّم برنامج “أغانيك تتحدّث”، وقام بتسجيل معظم أعماله في استراحة الري بالحي السوداني، لعدم وجود استديوهات إذاعية آنذاك.
وكان مواكبًا لأبناء جيله من الفنانين، أمثال محمد الأمين، وأبو عركي البخيت، وثنائي الجزيرة، وغيرهم. كما شكّل ثنائية فنية رائعة مع الشاعر فضل الله محمد، غنّى خلالها عددًا من الأعمال الخالدة، مثل “هون عليك”، “عيدية”، “أرض المحنة”، وغيرها. وكان عاشقًا للرياضة، ومحبًا لفريق الأهلي مدني. وتوفّي إلى رحمة مولاه في سبتمبر 2002.
#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_مسكين #ود_مدني #فن_سوداني #تراث #السودان

Leave a Reply