ين تصبح الح-رب نظامًا : فلسفة العناد المسلح وإرادة السلام في السودان

صحيفة الهدف

أ‌. ماجد الغوث                        أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

مقدمة: الح-رب بوصفها فشل السياسة وامتحان الإرادة

ما يجري في السودان منذ أبريل 2023 لا يمكن اختزاله في توصيف (حرب أهلية) جديدة تُضاف إلى سجل النزاعات الإفريقية. ما يحدث هو لحظة كاشفة لانهيار السياسة حين تُختزل الدولة في السلاح، وتُفرغ المبادرات من معناها، ويتحوّل العنف من وسيلة إلى نظام حكم. فعلى امتداد أكثر من عامين، تراكمت عشرات المبادرات والمؤتمرات: من الاتحاد الإفريقي إلى منبر جدة، ومن الإيغاد إلى الرباعية الدولية وقمم دول الجوار. خرائط طريق، بيانات قلق، دعوات لوقف إطلاق النار، ونداءات إنسانية غير مسبوقة. ومع ذلك، استمرت المدافع في الكلام، وكأن السلام بات فكرة غريبة عن واقع يُدار بمنطق آخر.(المبادرات والمؤتمرات بالملحق ).

هذا التناقض يطرح سؤالًا فلسفيًا جوهريًا: لماذا ترفض الأطراف المت-حاربة السلام رغم أن كلفة الح-رب كارثية على الجميع؟

الإجابة لا تكمن في غياب الحلول، بل في تحوّل الح-رب ذاتها إلى بنية مغلقة، تنتج مصالح، وهوية، وشرعية، تجعل السلام تهديدًا وجوديًا لا مخرجًا.

الفصل الأول: العناد كخيار وجودي — (الحرب كنظام حياة):

تعنّت طرفي الح-رب في السودان —قيادة الجيش وقوات الدعم السريع — لا يمكن فهمه باعتباره تصلبًا تفاوضيًا عابرًا. إنه تعبير عن تحوّل جذري في طبيعة الصراع، حيث لم تعد الح-رب وسيلة للوصول إلى السلطة، بل أصبحت نظامًا اقتصاديًا وسياسيًا وأخلاقيًا قائمًا بذاته. وكما يلي:

أولًا، الح-رب كاقتصاد بديل: نشأ اقتصاد ح-رب موازٍ يعيد توزيع الموارد بالقوة، ويخلق شبكات مصالح عميقة الجذور. السيطرة على الطرق التجارية، والموانئ، ومناطق الذهب، ومفاصل الدولة المنهارة، تحوّلت إلى جوائز تغذّي آلة العنف. في هذا السياق، يصبح وقف الح-رب خسارة مادية مباشرة للنخب العسكرية، لا مكسبًا وطنيًا.

ثانيًا، الح-رب كهوية وسلطة: لم تعد الشرعية تُستمد من الدستور أو الرضا الشعبي، بل من القدرة على الإكراه. الح-رب تمنح حماية من المساءلة، وتغلق ملفات الج-رائم والفساد، وتعيد إنتاج خطاب (الضرورة الأمنية) بوصفه ذريعة دائمة. السلام، في هذه المعادلة، يعني انكشاف الهشاشة الأخلاقية والسياسية للطرفين.

ثالثًا، الرهان على إنهاك الشعب والزمن: هناك قناعة راسخة لدى المت-حاربين بأن المجتمع الدولي سيتكيّف في النهاية مع الأمر الواقع، وأن طول أمد الح-رب سيكسر الإرادة الشعبية قبل أن يكسر إرادتهم. وهكذا تتحوّل الح-رب إلى رهان على استنزاف المجتمع لا على هزيمة الخصم فقط.

من هنا، تبدو المبادرات الدولية — رغم كثرتها — عاجزة، لأنها تتعامل مع الح-رب كـ(مشكلة تقنية) تحتاج ترتيبات إجرائية، لا كأزمة بنيوية في نظام الحكم. إنها تفصل بين وقف النار ومعنى الدولة، وتُقصي الفاعل المدني الحقيقي لصالح حوار مغلق بين البنادق.

لحظة المفارقة: (من يدمّر الدولة ومن يملك معناها):

هنا تتكشف المفارقة الأخطر في المشهد السوداني: القوى المسلحة تتحدث باسم الدولة وهي تفككها، وباسم الأمن وهي تنتج الفوضى، وباسم السيادة وهي ترهنها لمنطق السلاح. في المقابل، أولئك الذين لا يملكون البنادق، يملكون ما هو أخطر: المعنى، والشرعية، وحق الحياة.

من هذا التناقض، يبدأ تشكّل صوت ثالث، يرفض حصر الوطن في معادلة عسكرية ثنائية ق.اتلة.

الفصل الثاني: الصوت المدني المنظّم — (السياسة كاستعادة للأخلاق):

في مواجهة منطق العناد المسلح، برز موقف مدني وسياسي نوعي تجسّد في البيان المشترك، في 2025/6/1م، الذي وقّعته قوى سياسية بارزة، من بينها حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل)، حزب الأمة القومي، حزب التجمع الاتحادي، والمؤتمر السوداني. لم يكن هذا البيان مجرد اصطفاف سياسي، بل تشخيص أخلاقي–سياسي جذري للأزمة.

لقد حمّل البيان طرفي الح.رب المسؤولية الكاملة عن:

• تفكيك النسيج الوطني.

• تدمير مؤسسات الدولة.

• وتعميق واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

كما شدد على ثلاث ركائز أساسية:

1. الرفض القاطع لعسكرة الدولة والسياسة بوصفها الجذر التاريخي للأزمة السودانية منذ الاستقلال.

2. وقف الح.رب فورًا باعتباره المدخل الوحيد لأي مسار وطني.

3. عدم الإفلات من العقاب، لأن السلام بلا عدالة ليس سوى هدنة مؤجلة.

موقف حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل):

ضمن هذا السياق، يبرز موقف حزب البعث بوصفه جزءًا من رؤية مدنية أوسع، لا خطابًا حزبيًا معزولًا. فمنذ اندلاع الح.رب، أكد الحزب في بياناته وتصريحات قياداته أن الصراع الجاري هو صراع سلطة ونفوذ بين قوى عسكرية، لا علاقة له بمصالح الشعب، ودعا بوضوح إلى:

• وقف فوري لإطلاق النار،

• استعادة المسار المدني الديمقراطي،

• وبناء جبهة شعبية مدنية عريضة قادرة على كسر احتكار السلاح للقرار الوطني.

أهمية هذا الموقف لا تكمن في انتمائه الأيديولوجي، بل في إصراره على ربط السلام بالعدالة والمساءلة، ورفض منطق (الاستقرار مقابل الاستبداد) الذي حوّل الدولة السودانية إلى ساحة انقلابات وح.روب متكررة.

وقد تُوّج هذا المسار بلقاء نيروبي في 2025/12/16م، حيث وقّعت قوى سياسية ومدنية وشخصيات وطنية (إعلان المبادئ السوداني : لبناء وطن جديد) يهدف إلى توحيد الصوت المدني، ومواجهة محاولات إعادة إنتاج النظام السابق، ووضع وقف الح.رب كمدخل لا مساومة عليه.

الفصل الثالث: إرادة الحياة — (الشارع بوصفه فاعلًا فلسفيًا):

إذا كان العناد هو فلسفة المت.حاربين، فإن الشارع السوداني — في الداخل والشتات — هو فلسفة المضطهدين: فلسفة إرادة الحياة. خرج السودانيون والمتضامنون معهم تحت شعار واحد) :أوقفوا الح.رب(

هذه الاحتجاجات ليست مجرد تعبير غضب، بل فعل وجودي مقاوم:

• سوسيولوجيًا: تقودها نساء وشباب، وتحالف أجيال وطبقات، يعكس عمق الرفض الشعبي.

• ثقافيًا: استخدمت الفن، الموسيقى، الإعلام البديل، والذاكرة الثورية كسلاح مضاد.

• سياسيًا: أعادت تعريف الشرعية بوصفها تعبيرًا عن الإرادة الجماعية لا عن فوهة البندقية.

ورغم ما صاحبها من عنف لفظي وتخوين ، نجح هذا الحراك في كسر حاجز الخوف، وفضح الح.رب أخلاقيًا أمام العالم، وتحويل الشارع من ساحة احتجاج إلى مختبر للبديل السياسي.

الخاتمة: (السلام اختبار أخلاقي لا صفقة سياسية):

استمرار الح.رب في السودان، رغم وضوح المأساة ووفرة المبادرات، يكشف حقيقة قاسية: المشكلة ليست في نقص الحلول، بل في فائض العناد المسلح. لقد تحوّلت الح.رب إلى نظام يخدم مصالح ضيقة، بينما تحوّلت المبادرات الدولية إلى طقوس سياسية عاجزة عن لمس جوهر الأزمة. ومع ذلك، فإن المشهد لا يخلو من الأمل:

1. تشكّل وعي مدني منظم يتجاوز خلافات الماضي.

2. صعود الشارع كقوة أخلاقية لا يمكن تجاهلها.

3. تآكل شرعية المت.حاربين مع تفاقم الكارثة الإنسانية.

السلام الحقيقي لن يأتي من اتفاقيات تُوقّع في الفنادق بين من صنعوا الح.رب، بل من تحالف ثلاثي:

1. قوى مدنية تمتلك الرؤية والمشروع.

2. شارع يملك الشرعية والزخم.

3. ضمير دولي يتحوّل من حياد زائف إلى ضغط فعلي.

السودان يقدّم درسًا فلسفيًا عميقًا: الح.رب صناعة النخب، والسلام إرادة الشعوب.

والسلام ليس غياب المدافع، بل حضور العدالة. المستقبل يبدأ حين ندرك أن السودان لا يحتاج فقط إلى وقف ح.رب، بل إلى إعادة بناء دولة تُستمد شرعيتها من الحياة لا من الموت.

وفي هذا الصراع بين الفناء والكرامة، يبقى الأمل في تلك الأصوات، التي ترفض أن تصمت، وتلك الإرادة، التي تصرّ على أن تقول، مهما طال الليل: كفى.

الملحق:

1. مبادرة الاتحاد الإفريقي: أطلق الاتحاد الإفريقي خطة لحل الأزمة تتكون من 6 نقاط، تشمل وقف إطلاق النار الدائم، تحويل الخرطوم لعاصمة منزوعة السلاح، إخراج قوات طرفي الق.تال إلى مراكز تجميع تبعد 50 كيلومترًا عن المدن، والالتزام بالسماح بمرور المساعدات الإنسانية واستعادة الخدمات الأساسية.

2. منبر جدة: انطلق في 6 مايو 2023، ويهدف إلى خفض التوتر وتهيئة الأرضية للحوار، وصولاً إلى وقف دائم لإطلاق النار. عقد المنبر ثلاث جولات، كان آخرها في ديسمبر 2023.

3. مبادرة الهيئة الحكومية للتنمية في شرق إفريقيا (إيغاد): أطلقت في يونيو 2023، وتضمنت وقفًا فوريًا ودائمًا للأعمال العدائية، حماية المدنيين، استكمال العملية السياسية الانتقالية، وتشكيل حكومة مدنية ديمقراطية.

4. مبادرة الرباعية الدولية: طرحتها اللجنة الرباعية الدولية، التي تضم مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة، وتدعو إلى وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر، وإطلاق عملية انتقالية شاملة وشفافة تختتم في غضون 9 أشهر.

5. مبادرة الجامعة العربية: أعلنت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية تلقيها مبادرة وطنية من شخصيات مدنية سودانية لحل الأزمة.

6. مبادرة الجبهة المدنية: أسست الجبهة المدنية بهدف وقف الصراع واستعادة الديمقراطية، وتطالب بوقف إطلاق النار وحماية المدنيين.

7. مبادرة نائب مجلس السيادة السوداني: تقدم نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، مالك عقار، بمبادرة تتضمن “خريطة طريق” لوقف الصراع الدائر في السودان.

8. مبادرة إثيوبيا: أبدى رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، استعداده لزيارة الخرطوم والتوسط لوقف إطلاق النار.

9. قمة دول جوار السودان بالقاهرة: طرحت مصر مبادرة لصياغة رؤية مشتركة لدول الجوار المباشر للسودان، واستضافت قمة دول الجوار في يوليو 2024 بهدف وقف إطلاق النار وفتح ممرات آمنة وإيصال المساعدات.

10. مبادرة ليبيا: أعلن رئيس “حكومة الوحدة الوطنية” الليبية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة مبادرة لإحلال السلام ووقف إطلاق النار في السودان .

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.