إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد من التوافق السياسي إلى معركة استعادة الدولة

صحيفة الهدف

أمجد السيد

في ظل ح-رب مدمّرة أعادت السودان سنوات طويلة إلى الوراء، ووضعت الدولة نفسها على حافة الانهيار الكامل، جاء الاتفاق على إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد بوصفه محاولة جادة لإعادة تعريف الصراع الدائر في البلاد، ليس كح-رب بين أطراف عسكرية متنازعة، بل كمعركة وطنية بين مشروع الدولة المدنية الديمقراطية ومشاريع الفوضى والعنف والارتداد عن ثورة ديسمبر.

أولاً إعلان مبادئ لبناء وطن جديد لا لترميم القديم

تسمية الوثيقة بـ «إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد» ليست تفصيلًا لغويًا، بل تعبير سياسي واضح عن القطيعة مع نماذج الحكم، التي فشلت منذ الاستقلال، ومع كل محاولات إعادة إنتاج الدولة السلطوية بثوب جديد. فالوطن الجديد، الذي يتطلع إليه الإعلان يقوم على:

دولة مدنية ديمقراطية تُدار بالإرادة الشعبية لا بالانقلابات.

جيش قومي مهني واحد، يخضع للسلطة المدنية، وينهي تعدد الجيوش والمليشيات.

العدالة الانتقالية والمحاسبة، باعتبارهما شرطين أساسيين للمصالحة الوطنية وعدم الإفلات من العقاب.

الاعتراف بالتنوع السوداني الثقافي والاجتماعي كأساس للوحدة الوطنية، لا كذريعة للإقصاء أو التفكيك.

بهذا المعنى، لا يطرح الإعلان حلولًا إسعافية فقط، بل يضع إطارًا تأسيسيًا لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، تتجاوز منطق التسويات الهشة والصفقات المؤقتة.

ثانيًا مواجهة الإره-اب وقطع الطريق أمام الثورة المضادة

يؤكد الإعلان بوضوح ضرورة التصدي للإره-اب، الذي يشهده السودان، وهو توصيف يتجاوز المفهوم التقليدي للإره-اب ليشمل كل أشكال العنف المنظم ضد المدنيين، واستهداف البنية الاجتماعية، وترويع المجتمعات المحلية، واستخدام الخطاب الديني أو الجهوي لتبرير الق-تل والنهب.

وفي هذا السياق، يربط الإعلان بين الح-رب الجارية والمحاولات المستمرة لقطع الطريق أمام ثورة ديسمبر المجيدة، عبر

تفكيك ما تبقى من الحاضنة الاجتماعية للثورة.

شيطنة القوى المدنية وتقديمها كطرف ضعيف أو غير وطني.

إعادة تمكين رموز النظام البائد تحت غطاء الح-رب ومحاربة الفوضى.

إن تسمية الأشياء بأسمائها، واعتبار الح-رب جزءًا من مشروع الثورة المضادة، تمثل خطوة شجاعة في استعادة الوعي السياسي، وتحرير الرأي العام من الخطاب، الذي يسعى لتطبيع العنف بوصفه قدرًا لا فكاك منه.

ثالثًا وقف الح-رب كقضية سياسية لا عسكرية

ناقش إعلان المبادئ القضايا الأساسية المتعلقة بوقف الح-رب، انطلاقًا من حقيقة أن الحل العسكري أثبت فشله، وأن استمرار الق-تال لا يخدم سوى تجار الح-رب وشبكات المصالح المرتبطة بها. ومن هنا، يطرح الإعلان مقاربة سياسية شاملة تقوم على

وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، مع ضمان حماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية.

رفض أي تسوية تعيد إنتاج الشراكة مع العسكر أو تشرعن وجود المليشيات خارج إطار الدولة.

إطلاق عملية سياسية مدنية خالصة، تقودها قوى الثورة والمجتمع المدني، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.

يمثل إعلان المبادئ السوداني فرصة حقيقية لتشكيل نواة جبهة مدنية عريضة قادرة على مخاطبة الداخل والخارج بلغة واحدة، وتقديم بديل وطني متماسك في مواجهة مشاريع الح-رب. غير أن هذه الفرصة ستظل مهددة ما لم تتحول المبادئ إلى أدوات فعل سياسي منظم، وما لم تنفتح الوثيقة على كل القوى الرافضة للح-رب، دون إقصاء أو وصاية.

إن نجاح هذا الإعلان لن يُقاس بحجم التوقيعات، بل بقدرته على إعادة الثقة في السياسة المدنية، واستنهاض الشارع السوداني حول مشروع وطني جامع، يضع حدًا للح-رب، ويعيد الاعتبار لثورة ديسمبر بوصفها مشروعًا لبناء وطن جديد، لا مجرد لحظة احتجاج عابرة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.