مجدي علي
وُلدت الكاتبة والروائية والإعلامية ليلى صلاح ميرغني بمدينة القطينة عام 1970، ونشأت في مدينة الدويم التي احتضنت طفولتها ومراحلها الدراسية الأولى، قبل أن تواصل تعليمها الجامعي في جامعة النيلين بالخرطوم، كلية التجارة، حيث نالت بكالوريوس الدراسات الاقتصادية والاجتماعية. هناك تزاوج الحس النقدي للعلوم الاجتماعية مع شغفها الأدبي العميق، الذي رافقها منذ نعومة أظافرها.
منذ سنوات الجامعة، بدأت ملامح اهتمامها بالأدب والثقافة تتشكل بوضوح، فعملت محررة في الصفحة الثقافية بجريدة “صوت الشارع”، ثم انتقلت إلى الإعلام المرئي، حيث التحقت بقناة الجزيرة الفضائية معدّةً ومنتجة برامج، لتجمع بين العمل الإعلامي والإبداع الأدبي في مسار مهني متكامل.
تبوأت ليلى مكانة رفيعة في المشهد الأدبي السوداني المعاصر، بفوزها في الدورة التاسعة من جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي (2011) عن روايتها البارزة “الغابة السرية.. وقائع من حكاية الوجع والجنون”، لتكون بذلك أول امرأة سودانية تنال هذه الجائزة المرموقة. وقد تجلت إنسانيتها العالية حين تبرعت بقيمة الجائزة المالية لعلاج الشاعر الكبير محجوب شريف، في لفتة تؤكد انتماءها للقيم الثقافية والإنسانية والوطنية.
رواية الغابة السرية: جغرافيا الوجع والوعي
شكّلت “الغابة السرية” نقطة تحوّل في مسار الرواية النسوية السودانية، إذ جاءت عملاً جريئًا ومحترفًا على المستويين الفني والفكري. تناولت الرواية قضايا المرأة والدين والسياسة والجنس، كما لامست موضوعات الغربة والانتماء، عبر سردٍ شفاف يلتقط التناقضات الاجتماعية دون تهويل أو تجميل.
تحكي الرواية قصة درية، امرأة سودانية تعود إلى وطنها بعد حياة زوجية قاسية في الغربة، لتواجه صراعاتها الداخلية ومعاناتها مع التقاليد السائدة؛ من ختان البنات إلى الزواج التقليدي، وصولًا إلى بحثها عن الحرية والانتماء واليقين. وقد قدمت ليلى هذه المواضيع بلغة مشحونة بالعاطفة والوعي، معتمدة على تعدد الأصوات بين “درية” و”ماريا”، لتجسيد رؤى متباينة للواقع السوداني. نالت الرواية اهتمامًا نقديًا واسعًا، إذ اعتبرها النقاد كسرًا للتابوهات وكشفًا للمستور خلف الجدران، لأنها قدمت المرأة السودانية ككائن حيّ نابض بالحلم والانكسار، لا كرمزٍ أو ظلّ اجتماعي.
تؤكد ليلى صلاح في كل كتاباتها ومواقفها على أن انحيازها الواضح لقضايا المرأة والهوية، انحيازها للمرأة ليس مجرد توجه أدبي وفني، بل رؤية حياتية وفلسفية، تقول: “أنا فخورة بانحيازي للمرأة، لأنها كائن جميل وحساس، وتجربة الأنثى الحياتية منحتني القدرة على تحمّل الألم وصياغته بالحكي.” وترى أن الكتابة بالنسبة لها هي بيت للحياة والمرأة والمجتمع، تقول: “أنا لا أمل الحكي ولا الكتابة وبيت السرد عندي يشابه بيت حبوبة آمنة بت شاية في القطينة الذي يمتلئ بالقصص والقهوة والمشاط وجلسات النساء وهمسهن ومقدرتهن في إدارة الحياة، فأنا من مكان فيه المرأة قوية جداً وهي تدير الحياة بكل اقتدار”.
تتكئ سيرة ليلى صلاح على نتاج أدبي وإعلامي متنوع؛ فقد أصدرت بعد “الغابة السرية” مجموعة قصصية بعنوان “الدوائر”، كما عملت في إعداد وإنتاج البرامج بقناة الجزيرة الفضائية، وأسست في الدوحة صالونها الثقافي المعروف “أبنوسة”، الذي صار فضاءً مفتوحًا للحوار الثقافي والفكري، إضافة إلى كتابتها الراتبة بالصحف والمجلات القطرية، وهي تقيم منذ العام 2019 في الولايات المتحدة الأمريكية بعد انضمامها إلى قناة “الحرة” الإخبارية.
في كتاباتها، تمزج ليلى بين الخيال والواقع، بين الشخصي والعام، لتقدم صورة صادقة للمجتمع السوداني بكل تناقضاته وجمالياته ووجعه. تجمع في سردها بين الجرأة الفنية والعمق الإنساني، وتجعل من الأدب أداة لفهم الذات والآخر، ووسيلةً لتأمل التحولات الاجتماعية من منظور المرأة التي تبحث عن صوتها ومكانها في عالم سريع التغير.
ورغم أن إنتاجها الأدبي ليس غزيرًا، إلا أن حضورها الفكري والوجداني طاغٍ، إذ تكتب بصدقٍ وشجاعة عن المرأة والوطن والحياة، في نثرٍ يحاكي التجربة ويستبطن الوجع والحنين.
ولا يزال القرّاء يتطلعون إلى أن تفتح ليلى صلاح نوافذ جديدة في “غاباتها السرية”، لتواصل كتابة تلك الحكايات التي تضيء الهوية، وتؤكد أن المرأة السودانية قادرة على تحويل الألم إلى فنّ، والغربة إلى ذاكرة نابضة بالحب والكتابة.
#ملف_الهدف_الثقافي #ليلى_صلاح_ميرغني #الغابة_السرية #جائزة_الطيب_صالح #الرواية_النسوية_السودانية #المرأة_والسرد #كسر_التابوهات #صالون_أبنوسة #الأدب_السوداني_المعاصر

Leave a Reply