هواجس امتحانات في زمن اللجوء والشتات

صحيفة الهدف

موسى العربي

أمام مركز الامتحان في “ساقية مكي”، على أطراف قاهرة المعز، اجتمعت حياةٌ صغيرة وكبيرة: أعمى يحمل صاحبه، جرحى يساند بعضهم بعضًا، وحشدٌ من أولياء التلاميذ، قلّة من الرجال، وغلبة من النساء. هناك، في ذلك الجمع، تأكدت أن الحياة لا تقوم إلا بهنّ.

جلسنا على طول المدرسة جماعاتٍ وفُرادى، لا همّ لنا سوى الثرثرة حول الامتحان، وحكايات اللجوء عن الصبر والمطاولة والعيش، ولعنٍ لمن كان سبب هذا الاضطراب.

اكتظاظ الأبناء بين الخوف والتوتر

يبدو حشد اللاجئين في “ساقية مكي” مماثلًا لبقية المراكز الأخرى؛ اكتظاظٌ يقطع الطريق، يربك أبناء النيل، ويقتل فيهم سؤال الامتحان.

ومع كل هذا، بقي للامتحان أثرٌ يسير: امرأة تجري مراجعةً سريعةً مع ابنتها، في سباقٍ مع الزمن. أهو توتر اللحظة الأخيرة؟ أم مهارةٌ ورثتها من زمنٍ سابقٍ على الح.رب واللجوء؟

أمام البوابة حاولت أن أطمئن صغيرتي، وأن أُسكِّن خفقانها. أعلم ما عانته: ظروفٌ ليست من صنعها، فقد جرّبت النزوح والتش.رّد والفاقة والجوع، في ح.رب يبدو أن كل شيءٍ فيها مباح، ما عدا أن تظلّ إنسانًا.

دروب الصحراء والحصار بالوحدة

عدم الاستقرار يبرق كبيّنة كبرى؛ هو الذي نادى كل الدروب، فتردّدت بين الخرطوم والجزيرة والشمالية، ومن هناك إلى ليبيا، لتصبح رقمًا للجوء ينتقل بين دولٍ لا وطن فيها. سلكت دروبًا: “الدالي والمزموم”، و**”درب أم سيالة”** بمخاطره المحفوفة بالموت السريع؛ ودروب الصحراء التي يحاصر أفقها الواسع بالوحدة والعذابات.

أحاول أن أهيّئ لها الهدوء، وأبثّ في قلبها كلمات قد تلتصق بها. أعرف أنها لم تَجلس على مقاعد الدراسة منذ طلقةٍ أذلّت كرامتنا وصادرت حقّنا. لقد تنقّلت بين مناهج وأساليب متناقضة، فكيف نطلب منها الهدوء؟

قاطعنا صوتُ الجندي على البوابة وهو يصدر توجيهاته. التفتُّ لأجد جماعةً من الآباء والأمهات تُصغي بإنصات؛ كلّنا في همٍّ واحد، الح.رب واللجوء جمعانا.

أعطيتها آخر وصيّة: “التزمي الهدوء قدر الإمكان، اكتبي ما يخطر ببالك، وإن غلبتك الكتابة فضعي القلم.” ردّت بعبارتنا المشتركة: “على بركة الله.”

لكن متى نضع الطلقة الأخيرة؟

#هواجس_امتحانات #اللاجئون_السودانيون #ساقية_مكي #أزمة_السودان #التعليم_في_الشتات #موسى_العربي #دروب_اللجوء #ملف_الهدف_الثقافي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.