عبد المنعم مختار
30 يونيو 1989م، منذ أن تسلّل “تجّار الدين” إلى السلطة بشعاراتهم المزيفة وعمائمهم المنقوشة، لم يتركوا جريمة إلا ارتكبوها، ولا خرابا إلا ووقعوا عليه بختمهم الأسود. يتخفّون تحت أسماء براقة: “الإخوان”، “الجبهة”، “المؤتمر الوطني”، “المؤتمر الشعبي”، لكن الجوهر واحد: جشع، فشل، ودمار.
مشروع الجزيرة، الذي كان يوما قُبلة الزراعة في أفريقيا والوطن العربي، تحوّل في عهدهم إلى أطلال صامتة بعد أن نهبوا موارده وتركوا قنوات الري تبكي عطشا. السكة حديد، التي ربطت السودان من حلفا إلى بابنوسة، دمّروها قطعة قطعة وباعوا حديدها خردة. الخطوط الجوية التي كانت تحلّق إلى لندن وباريس، صارت تتسوّل إذن عبور أجواء الجيران. أما الخطوط البحرية فبيعت كما تُباع قوارب صيد. التعليم والصحة والخدمة المدنية…الخ تحولت إلى مستنقع للمحسوبية والولاء الحزبي.
وأما القضاء، فقد كان مجرد عصا غليظة يلوّح بها النظام في وجه خصومه: لا عدالة ولا استقلال؛ قضاة مأجورون يوزّعون الأحكام كما يوزّع الدجالون طلاسمهم—سجن وتشريد وسحل للمعارضين، وغفران وستر لأهل “التمكين”. والجيش؟ بدلا من أن يكون حصن الوطن صار شركة عائلية تتاجر بالذهب والسلطة وتزجّ بالجنود في حروب بالوكالة.
لم يكتفوا بالقمع في الشوارع؛ فالمعارضون السلميون لقوا حتفهم في المعتقلات، والطلاب قُتلوا في الجامعات، والمتظاهرون سُحلوا في الطرقات. محاكمة قيادة نقابة الاطباء بعد اضرابهم الشهير، ومأساة حركة 28 رمضان، شواهد حيّة على وحشيتهم: ضباط وطنيون أُعدموا بلا رحمة، بعضهم دُفن أحياء، وحُرمت أسرهم حتى من معرفة قبورهم. جريمة كاملة الأركان لا تزال وصمة عار على جبين من تاجروا بالدين. يكفي أن يذكر التاريخ مسمارا في رأس طبيب معارض، وخازوقا في دبر معلّم قال “لا” في وجه الظلم. ثم جاء فضّ اعتصام القيادة وما صاحبه من قتل واغتصاب ورمي في النيل… سجل دموي لن يُمحى من ذاكرة شعبنا المناضل.
وبينما كانوا يبرّرون جرائمهم بـ”فقه الضرورة” و”الابتلاء”، كان اقتصاد البلاد ينهار، والجنيه يتسوّل كسرة خبز، والعلاقات الخارجية تختزل في دور المتسوّل السياسي. ولأن الخراب صار هوايتهم المفضلة، أنجبوا مليشيا “الدعم السريع” لتكون أداة قمع جديدة، واليوم لا يزالون يفقّسون بيضا فاسدا لمليشيات أخرى ستلقى المصير نفسه: الاحتراق في أول مساومة سياسية.
لقد مارسوا الكذب كعبادة، والخيانة كمنهج، وسفك الدماء كوقود لمسيرتهم المقدّسة نحو السلطة. واليوم، بينما يتلذّذ برهان بلقب “القائد العام” وكأنه مدير لشركة مساهمة، ويعامل الجيش كمكتب مقاولات، يواصل حميدتي لعب دور “التاجر القائد” الذي يبيع الجنود في سوق الحرب كما تُباع الإبل. كلاهما يرفع شعار “إنقاذ الوطن” بينما لا ينقذان سوى أرصدتهما في الخارج. وبرغم هذا الصراع الدامي على الكراسي، يبقى الخاسر الوحيد هو الشعب السوداني: وقود الحرب، وضحية الأكاذيب، وحارس وطن يحترق كل يوم وهو يعضّ على حلم الحرية والعدالة بدمه ودموعه.

Leave a Reply