سري القدوة_ كاتب فلسطيني
#ملف_الهدف_الثقافي
يتعرض الشعب الفلسطيني لحرب إبادة متواصلة على يد الاحتلال الإسرائيلي، وما يجري تحديدًا في قطاع غزة يمثل مأساة إنسانية وكارثة لا يتخيلها العقل، وإرهابًا منظمًا. وإن استمرار سياسة التجويع الممنهجة، التي يزداد وقعها قسوة يومًا بعد يوم، ليس إلا شكلًا من أشكال الإبادة الجماعية التي تُمارس على شعب أعزل، عبر أدوات الحصار والموت البطيء، تحت مسميات كاذبة ومضللة يديرها الاحتلال الإسرائيلي بدعم مباشر من الإدارة الأميركية، وبصمت دولي معيب.
إن استخفاف الرئيس ترامب بالعالم، وتصريحه بأن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو هو محل ثقته وأمينه على توزيع المساعدات، يؤكد تورط الإدارة الأميركية في جرائم التجويع والإبادة ومخططات التهجير. ولم تعد الولايات المتحدة وسيطًا نزيهًا يمكن أن يستمر في أداء مهمة الوساطة. وعلى الإدارة الأميركية مراجعة تلك السياسات الواهية وغير الواقعية.
تحصد منظومة “مصائد الموت” أرواح العشرات من الجوعى يوميًّا، ولم تأتِ هذه المنظومة من فراغ، بل جاءت تنفيذًا دقيقًا لخطة متكاملة تهدف إلى سحق إرادة الشعب الفلسطيني وكسر صموده عبر التجويع والترهيب والإذلال. وإن هذه السياسة القائمة على تجويع المدنيين وحرمانهم من أساسيات الحياة ليست سوى وجه آخر لجرائم الحرب التي تُرتكب بدم بارد، تحت غطاء سياسي وحصانة أميركية.
إن استشهاد ما يزيد على 147 فلسطينيًا جوعًا، جميعهم أطفال ورُضَّع، هو وصمة عار على جبين الإنسانية، ودليل دامغ على بشاعة المشهد الإنساني الذي يُدار برعاية الاحتلال ومن يدعمه سياسيًا وعسكريًا. وإن محاولات حكومة اليمين الإسرائيلي إنكار وجود المجاعة ليست سوى هروب رخيص إلى الأمام، وتعبير فجّ عن عقيدة عنصرية لا ترى في الشعب الفلسطيني بشرًا يستحق الحياة.
ما تشهده غزة ليس كارثة طارئة، بل مشروع ممنهج لتهجير سكان القطاع ودفعهم قسرًا إلى المجهول، ضمن مخططات اليمين المتطرف الذي يتعامل مع وجود الفلسطينيين باعتباره عقبة يجب إزالتها. كما أن صمت المجتمع الدولي وعدم تحركه حتى اللحظة يمثل تواطؤًا أخلاقيًا وقانونيًا، ويعكس انهيار المنظومة الدولية في حماية الشعوب الواقعة تحت الاحتلال.
يدفع الشعب الفلسطيني ثمنًا باهظًا نتيجة سياسات الاحتلال وتجاهل المجتمع الدولي للانتهاكات المستمرة، في ظل غياب تام للمؤسسات الدولية، وخاصة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي يُفترض بها تكثيف جهودها في إدخال المساعدات العاجلة إلى قطاع غزة دون قيود، وتفعيل دورها كجهة ضامنة لاتفاقيات جنيف، ومواصلة عملها في حماية المدنيين، ومراقبة أوضاع المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال، لا سيما في ظل احتجاز المئات منهم في أماكن سرية محرومين من الزيارات والاتصال بذويهم. ويجب على اللجنة استئناف زياراتها لسجون الاحتلال الإسرائيلي، والضغط لضمان المعاملة الإنسانية للأسرى.
لقد آن الأوان لإعلان قطاع غزة منطقة منكوبة دوليًا، يتبع ذلك تدخل دولي فوري تحت إشراف الأمم المتحدة لإنقاذ ما تبقى من أبناء شعبنا الذين يُقتلون كل يوم، إما بالصواريخ أو بالجوع أو بالخذلان. إن مسؤولية حماية المدنيين الفلسطينيين لم تعد أخلاقية فحسب، بل قانونية وملزمة، وفق قواعد القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة. ولا بد من تكثيف الحراك الدولي من أجل تحقيق وقف دائم لإطلاق النار، والتصدي لممارسات الاحتلال، والضغط من أجل حماية حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، وإنهاء العدوان الإسرائيلي بشكل نهائي، تمهيدًا لتحقيق السلام العادل والشامل، استنادًا إلى قرارات الشرعية الدولية.
* كاتب من فلسطين
رئيس تحرير جريدة “الصباح” الفلسطينية

Leave a Reply