دروس من الانتخابات الأمريكية النصفية

صحيفة الهدف

الهدف : كتب المحرر السياسي

من السابق لأوانه التنبوء بالتغييرات المحتملة في السياسة الأمريكية خاصة ما يمكن أن يحدث على صعيد السياسة الخارجية الأمريكية، وهو الأمر الذي يهمنا بالدرجة الأولى كجزء من بلدان ما يعرف بالعالم الثالث، الذي ظل مسرحًا لتدخلات أمريكية مباشرة أو غير مباشرة، لا سيما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. غير أنه يمكن القول بشكل يرجح، أن السياسة الخارجية لم تكن العامل الحاسم الوحيد في التسونامي الذي أحدثه فوز الديموقراطيين بشكل ساحق في الانتخابات النصفية للبرلمان الأمريكي بغرفتيه: مجلس النواب ومجلس الشيوخ. صحيح أن العدوان “الصهيوني” على فلسطين وجنوب لبنان، والدعم الأمريكي المطلق، والح.رب الأمريكية على إيران كانتا أحد هواجس الناخب الأمريكي، لكن الصحيح أيضًا أن ما شغل ويشغل الناخب الأمريكي لم يكن مشروعية العدوان على فلسطين وهذه الح.رب وإنما كلفتهما الاقتصادية المباشرة على معيشة الناخب الأمريكي ودافع الضرائب..

▪️ نحن في بلادنا كأحد الشعوب التي بذلت الغالي والنفيس في سبيل بناء نظام مدني ديموقراطى تعددي مستدام، الكلمة الفاصلة فيه للشعب الذي يتساوى فيه المواطنون في الحقوق والواجبات. وذلك في ظل نظام تتداول فيه القوى السياسية السلطة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) سلميًا على قاعدة نظام انتخابي متفق عليه كجزء من وفاق وطني معبر عنه في دستور يحكم تفاصيل حياتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وفي هذا الإطار فإن الانتخابات الأمريكية تقدم لنا دروسًا غنية تعزز توقنا للديموقراطية كوسيلة وغالية لأهداف نضالنا الوطني والقومي وتطلعات الجماهير، ضد الأنظمة الدكتاتورية عسكرية كانت أو مدنية، عبرت عنه بجلاء تجدد الانتفاضة الشعبية منذ أكتوبر / تشرين أول1964 ، إلى يومنا هذا.

▪️ الدرس الأول الذي كشفت عنه نتائج هذه الانتخابات أن أقوى أسلحة الديموقراطية والخط الأول في الدفاع عن النظام المدني الديموقراطى، هو الديموقراطية نفسها. باحترامها واستدامتها. فتغيير الحكومة أو تغيير القوانين أو تعديلها أو إبطال سياسات تنفيذية معينة…. الخ، يصبح ممكنًا وبكلفة لا تذكر من خلال ممارسة الناخبين لحقهم في اختيار المرشحين وقبول أو رفض البرامج والسياسات، التي لا يرغبون فيها، وذلك دون تعريض البلاد أو نظام الحكم فيها إلى هزات عنيفة ربما تقود إلى ما لا يحمد عقباه.

▪️الدرس الثاني، الذي لا يقل أهمية، عن الأول، أن إدارة التنوع في أي مجتمع أو دولة، هو عمل يقع في صلب العملية الديموقراطية، ولا يحتاج إلى منح مكونات هذا التنوع مزايا تفضيلية أو إلى الاتفاق على مبادئ فوق الدستور أو

النظر إليها بمعيار كمي (أكثرية /أقلية) .. فطالما ضمن الدستور المساواة التامة لكل المواطنين في الحقوق والواجبات، فإن ذلك يشكل ضمانة كافية لتساوي كل المواطنين في خط الشروع الأول لتولي المناصب التشريعية أو التنفيذية أو القضائية، وكذلك الحق في التعليم والتوظيف والترقي والتدرج الوظيفي. لذلك لم يكن مستغربًا فوز عبد الرحمن السيد المسلم ذو الأصول العربية بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية من ولايات الوسط الأمريكي المعروف بمحافظته وتمسكه بالدين وسيادة المهاجرين البيض.

▪️ الدرس الثالث أن السيطرة على المال والإعلام ربما تقود مؤقتًا إلى فرض ممثلين من جهات سياسية واقتصادية معينة على السلطة التشريعية والتنفيذية، لكن هذه السيطرة تصبح عديمة الأثر أو محدودة حين تتعلق العملية الانتخابية بحياة المواطن. لقد نجح الديموقراطيون في الانتخابات، لأن كلفة المعيشة في الولايات المتحدة أصبحت فوق طاقة المواطن ولأن الجمهوريين لم يقدموا للمواطن الأمريكي سوى الح.روب المكلفة ومترافقًا ذلك مع الفساد المالي والإداري وسوء استخدام السلطة.

الدرس الرابع، وهو من البديهيات في أي بلد يحترم مواطنيه ويساوي بينهم، أن الجيش وأجهزة الأمن والشرطة هي جزء من السلطة التنفيذية وليست ركنًا من أركان الدولة، وهي بذلك خاضعة وتخضع دائمًا لسلطة الشعب ممثلًا في البرلمان المنتخب، ولا تخضع لقرار رئيس السلطة التنفيذية إلا في حدود المهام التي يحددها له الدستور  والبرلمان. الرئيس ترامب لو أمر القوات المسلحة باستلام السلطة لما وجد جنرالًا ينفذ أمره حتى ولو كان هذا الجنرال قد عينه ترامب شخصيًا. تلك إحدى ثوابت النظام الديموقراطى التي تنعكس بشل مباشر على عقيدة القوات المسلحة.

▪️ الدرس الخامس، الذي يتخلل كل ما تقدم أن الديموقراطية بطبيعتها من حيث أنها تقوم على التداول السلمي للسلطة وفق نظام انتخابي يمارسه مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، هي منظومة تمتلك آلية إصلاح داخلية قادرة على تصحيح أخطائها دون تدخل خارجي. الناخب الأمريكي اختار الرئيس الأمريكي قبل عامين واختار معه أغلبية مريحة من حزب ترامب، الحزب الجمهوري. نفس هذا الناخب اختار في الانتخابات الأخيرة أغلبية ساحقه من الحزب المعارض للرئيس، بل ومضى إلى أبعد من ذلك باختياره نوابًا وشيوخًا من الحزب الديموقراطى في ولايات لم يفز فيها الديموقراطيون منذ أكثر من مئة عام.وفوز نوابًا مسلمين ومن أصول عربية وإفريقية وآسيوية رغم الحملات المعادية الضارية ضدهم.

▪️الخلاصة: لا بديل للديموقراطية سوى المزيد من الديموقراطية، باستدامتها،  الامتثال لنتائج انتخاباتها بالتداول السلمي للسلطة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.