التقرير العاشر الدولة القطرية العربية: من الارتهان للخارج إلى التكامل الوحدوي

صحيفة الهدف

سلسلة قراءات تحليلية في التقرير السياسي للمؤتمر القومي الثالث عشر –  10

إعداد: لجنة الدراسات الاستراتيجية

يفتتح هذا التقرير سلسلة من ثلاثة تقارير تتناول المحور الرابع: الدولة العربية، كما عالجه التقرير السياسي المقدم إلى المؤتمر القومي الثالث عشر. وسوف تناقش هذه التقارير نشوء الدولة القطرية وأزمتها، والعلاقة بين الوطني والقومي، والصيغة الاتحادية للدولة العربية المنشودة.

وقد عالج التقرير السياسي هذا الموضوع في قسم «تطورات الأوضاع العربية الداخلية بين تعثر وظيفة الدولة القطرية وانكشاف النظام الإقليمي العربي»، حيث توقف أمام تعثر وظيفة الدولة واختلال بنيتها وانكشافها أمام التدخل الخارجي. كما عالجه بصورة أوسع ضمن مادة «الوحدة والحرية والاشتراكية والديمقراطية: الأهداف المتجددة»، وخصوصاً في عناوين: «تقديم عام حول تشكل الدولة الحديثة»، و«الحقيقة القومية في فكر البعث»، و«الوحدة اندماجية أم اتحادية».

والسؤال الذي يطرحه هذا التقرير ليس ما إذا كانت الدولة القطرية موجودة، فهذا واقع دستوري وسياسي واجتماعي ترسخ عبر أكثر من سبعة عقود؛ بل ما إذا كان هذا الواقع قد اكتسب صفة النهائية، أم أنه مرحلة تاريخية ينبغي تجاوز حدودها نحو اتحاد عربي يحمي الدولة الوطنية ويحرر إرادتها.

الدولة القطرية نتاج التجزئة الاستعمارية

العرب أمة واحدة تكونت شخصيتها القومية عبر قرون من التفاعل التاريخي والثقافي والحضاري، وتربط أبناءها وحدة اللغة والثقافة والأرض والمصالح والمصير. غير أن هذه الأمة مُنعت من التعبير عن وجودها في دولة واحدة، لا بسبب افتقارها إلى مقومات الوحدة، بل بفعل القوة الاستعمارية التي فرضت عليها التجزئة.

بعد سقوط السلطنة العثمانية، سارع العرب إلى إقامة دولتهم الممتدة من الحجاز إلى بلاد الشام، لكن بريطانيا وفرنسا أجهضتا المشروع، وقسمتا الوطن العربي، ورسمتا حدوداً لم تنطلق من حقائق التاريخ والاجتماع، وإنما من مصالح الاستعمار وحاجته إلى كيانات صغيرة يسهل التحكم فيها. ثم زُرع الكيان الصهيوني في فلسطين ليشكل قاعدة استعمارية تفصل مشرق الوطن العربي عن مغربه، وتستنزف موارده، وتحرس واقع التجزئة.

ومع الاستقلال وجلاء الجيوش الأجنبية، انتقلت السيادة القانونية إلى الدول الناشئة، وتكونت المؤسسات والجيوش والإدارات والمصالح، وترسخ الانتماء الوطني عبر أجيال متعاقبة. وهكذا تحولت الدولة القطرية من كيان مصطنع النشأة إلى واقع سياسي واجتماعي لا يجوز إنكاره.

لكن الاعتراف بهذا الواقع لا يعني التسليم بنهائيته؛ فالحدود التي كرسها الاستعمار لا تستطيع أن تلغي حقيقة أن الشعب العربي في أقطاره المختلفة شعب واحد، وأن ما يجمعه أعمق من الخطوط التي رسمتها اتفاقيات التقاسم.

حين تحولت القطرية إلى نقيض للقومية

لم تكن المشكلة في نشوء دولة وطنية يرتبط بها المواطن ويعمل على حمايتها وتطويرها. فالوطنية الصحيحة هي المجال المباشر لممارسة الحقوق والواجبات، ولا تتناقض مع القومية، بل تستمد منها عمقها وحمايتها. والمواطن العراقي أو المصري أو الجزائري لا يصبح أقل وطنية عندما يتمسك بعروبته؛ بل يكون أكثر وعياً بمصلحة وطنه حين يدرك أنها جزء من المصلحة القومية.

المشكلة بدأت عندما تحولت الوطنية إلى قطرية انعزالية، وعندما أصبحت المحافظة على النظام والمصلحة الآنية لكل قطر مقدمة على أمن الأمة ومصيرها. وعندها لم تعد الدولة القطرية قاعدة للعبور إلى الوحدة، بل أصبحت أداة لتعطيلها، وتحولت حدودها إلى أسوار سياسية ونفسية تفصل أجزاء الأمة بعضها عن بعض.

وقد قاد تغليب المصالح القطرية على المصلحة القومية إلى أخطر اختراق أمني شهده الوطن العربي في تاريخه الحديث. فكل دولة راحت تبحث عن حمايتها الخاصة من القوى الأجنبية، وتعقد معها الاتفاقات، وتستدعي قواعدها وجيوشها، وتستخدم تحالفاتها الخارجية لموازنة دولة عربية شقيقة. وبدلاً من أن تنتظم الدول العربية في منظومة أمن قومي مشتركة، تحولت إلى ساحات متفرقة للقواعد والنفوذ والوصاية.

وهكذا أصبحت الدولة القطرية التي رفعت شعار حماية سيادتها مرتهنة للخارج؛ تستورد أمنها وسلاحها وغذاءها وتقنيتها، وتربط قرارها بإرادة القوة التي تعهدت بحمايتها. فتحول الخارج من حليف للدولة إلى شريك في قرارها، ثم إلى وصي عليها، وأصبحت السيادة راية ونشيداً ومقعداً في الأمم المتحدة أكثر منها قدرة مستقلة على اتخاذ القرار.

احتلال العراق: نتيجة الخذلان القومي

إن احتلال العراق عام 2003 لا يجوز تفسيره بوصفه دليلاً على فشل العراق لأنه دولة قطرية. فقد كان العراق، رغم وجوده في إطار الدولة الوطنية، يحمل مشروعاً قومياً تحررياً، ويبني دولة وطنية تقدمية مستقلة، ويمتلك جيشاً قوياً وقاعدة علمية وصناعية وموقعاً ارتكازياً في منظومة الأمن القومي العربي.

ولهذا استُهدف العراق، لا لأنه كان ضعيفاً في هويته الوطنية، بل لأنه حاول أن يحول قدراته الوطنية إلى قوة في خدمة الأمة، وأن يبني نموذجاً مستقلاً في التنمية والتصنيع والسيادة على الثروات. فقد أمم نفطه، وبنى قاعدة إنتاجية وعلمية، ووقف إلى جانب فلسطين وغيرها من القضايا القومية، ورفض الخضوع للهيمنة الأميركية–الصهيونية.

إن الذي مكّن الولايات المتحدة من احتلال العراق لم يكن قصور الدولة العراقية وحدها، بل خذلان النظام الرسمي العربي وتغليب الدول العربية المجاورة مصالحها القطرية الضيقة على المصلحة القومية. فقد فتحت بعض الدول أراضيها وأجواءها وقواعدها للعدوان، وشاركت أخرى في الحصار السياسي والاقتصادي والإعلامي، وتعاملت مع إضعاف العراق بوصفه مكسباً قطرياً، من دون أن تدرك – أو كانت تدرك ذلك – أنها كانت تفتح البوابة الشرقية للوطن العربي أمام الاحتلال الأميركي والتغلغل الإيراني.

وما إن سقط العراق حتى انهار الحاجز القومي الذي كان يصد الاختراق من الشرق، فانفتح المجال العربي أمام النفوذ الإيراني، وتضخم الدور التركي، وازداد الكيان الصهيوني عدوانية، وتحولت دول عربية عديدة إلى ساحات للصراع الدولي والإقليمي. لقد اعتقدت بعض الأنظمة أنها تتخلص من قوة عربية منافسة، فإذا بها تكتشف أنها تخلصت من أحد أهم أعمدة أمنها القومي.

إن احتلال العراق يقدم الدليل الأقوى على أن أمن أي قطر عربي لا يصان بإضعاف قطر عربي آخر، وأن المصلحة القطرية التي تُبنى على أنقاض المصلحة القومية تنقلب، عاجلاً أم آجلاً، على أصحابها.

انفجارات 2011: أزمة الدولة من الداخل

إذا كان احتلال العراق قد كشف انكشاف الدولة القطرية أمام العدوان الخارجي، فإن أحداث عام 2011 كشفت أزمتها الداخلية. فقد جاءت الاحتجاجات والانفجارات الشعبية نتيجة تراكم طويل لعجز التنمية وارتفاع البطالة والفقر والتفاوت الاجتماعي، وانسداد الأفق أمام الشباب، واستشراء الفساد، وضعف المشاركة السياسية.

لقد أخفقت معظم الدول العربية في الانتقال من دولة السلطة إلى دولة المجتمع، ومن حكم الرعايا إلى دولة المواطنين. وظلت الشرعية تقوم على احتكار القوة أكثر مما تقوم على الإرادة الشعبية، وغابت الديمقراطية أو اختُزلت في انتخابات شكلية، وتراجعت استقلالية القضاء، وأُضعف المجتمع المدني، وأقفلت سبل تداول السلطة.

كما عجزت الدولة عن بناء تنمية عادلة ومستدامة رغم الثروات الهائلة التي امتلكتها الأمة. فاستُهلكت الموارد من دون بناء اقتصادات إنتاجية، واتسعت الفجوة بين الطبقات، وتراجعت الطبقة الوسطى، ووجد ملايين الشباب أنفسهم أمام البطالة والهجرة والتهميش.

وعندما غابت الدولة المدنية القائمة على المواطنة والمساواة وسيادة القانون، عادت العصبيات السابقة على الدولة: الطائفة والمذهب والقبيلة والعشيرة والجهة. واستثمرت القوى الخارجية والإقليمية هذه الانقسامات، فاخترقت الاحتجاجات المشروعة، وعسكرت الصراعات، وحولت مطالب الإصلاح إلى حروب أهلية ومشروعات لتفكيك الدول.

فأحداث 2011 لم تكن مؤامرة خارجية خالصة، كما لم تكن ثورات مكتملة الشروط؛ بل كانت انفجاراً لأزمات داخلية حقيقية، اخترقتها قوى خارجية وجماعات دينية وطائفية وحرفتها عن أهدافها. ولو كانت الدولة العربية القطرية قد حققت التنمية والديمقراطية والعدالة والمواطنة، لما وجدت مشاريع الاختراق بيئة رخوة تنفذ منها.

الهوية والسيادة والوحدة

إن بناء الدولة المدنية ليس مطلباً منفصلاً عن المشروع القومي. فالدولة المدنية الديمقراطية تقيم رابطة المواطنة فوق الطائفة والقبيلة، وتجعل الشعب مصدر السلطة، وتحمي الحريات، وتحقق المشاركة، وتعيد بناء الهوية الوطنية في إطار الانتماء القومي.

والسيادة الحقيقية لا تتحقق لكل قطر منفرداً. فالدولة التي لا تستطيع حماية مجالها الجوي ومياهها وثرواتها، ولا تملك أمنها الغذائي والتكنولوجي والدفاعي، تبقى سيادتها منقوصة مهما اكتملت مظاهر استقلالها القانوني.

ولهذا فإن الوحدة ليست حلماً رومانسياً ولا استعادة لشعار من الماضي، بل ضرورة لحماية الدولة الوطنية نفسها. والمطلوب ليس إلغاء الأقطار أو محو خصوصياتها، وإنما إقامة اتحاد عربي ديمقراطي يضع الدفاع والسياسة الخارجية والأمن القومي والتخطيط الاقتصادي الاستراتيجي في إطار مشترك، مع احتفاظ الأقطار بمؤسساتها وخصوصياتها المحلية.

ليست نهائية التاريخ

لقد أصبحت الدولة القطرية واقعاً راسخاً، لكنها لم تصبح نهاية التاريخ العربي. فقد أثبتت قدرتها على البقاء، لكنها لم تثبت قدرتها منفردة على حماية سيادتها أو إنجاز نهضتها أو مواجهة المشروع الصهيوني والقوى الإقليمية والدولية.

إن حماية الدولة القطرية لا تكون بتحويلها إلى جزيرة معزولة، وإنما بإعادة وصل الوطني بالقومي. فالوطنية بلا بعدها القومي تنحدر إلى قطرية مرتهنة، والقومية التي تتجاهل الواقع الوطني تتحول إلى شعارات معلقة خارج التاريخ.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.