السودان والتكامل الاقتصادي العربي: من الموارد المتفرقة إلى قوة الإنتاج المشترك (الاستثمار بين الاستقلال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وبناء النهضة) (2)

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف ابوعكرمة

ثانياً: التكامل الاقتصادي العربي من تبادل المصالح إلى بناء المصالح المشتركة

إذا كان السودان يمتلك موارد زراعية وحيوانية وأراضي واسعة وخبرات محلية، فإن أقطار عربية أخرى تمتلك رؤوس أموال، وتقنيات، وقدرات لوجستية، وأسواقا واسعة، وخبرات في إدارة الموانئ والطاقة والصناعات والخدمات المالية. إن اختلاف الموارد بين الأقطار العربية ليس سبباً للتنافس الصفري، بل يمكن أن يكون أساسا لتكامل المصالح إذا أُدير ضمن رؤية مشتركة.

غير أن التكامل لا يتحقق بمجرد توقيع الاتفاقيات أو الإعلان عن حسن النوايا. فقد أشار تقرير التنمية المستدامة العربي لعام 2024 الصادر عن الإسكوا إلى استمرار محدودية التجارة البينية العربية، وإلى عوائق تتصل بالحواجز غير الجمركية، وضعف تنفيذ بعض الالتزامات التجارية، والحاجة إلى تطوير قواعد المنشأ وآليات تسوية النزاعات. وتكشف هذه المعوقات أن المشكلة لا تقتصر على نقص الموارد أو غياب الاتفاقيات، بل تشمل أيضاً كلفة الإجراءات والنقل، وتفاوت القواعد التنظيمية، وضعف الترابط بين مراحل الإنتاج. ومن ثم، فإن بناء التكامل يتطلب الانتقال من تحرير التجارة في صورتها الضيقة إلى تنسيق السياسات الإنتاجية وتطوير سلاسل القيمة الإقليمية.

والسؤال، إذن، كيف نبني إنتاجاً عربياً مشتركاً؟ يمكن أن يزرع السودان أو ينتج المواد الخام، وتشارك مؤسسات عربية في توفير التقنيات والتمويل والتخزين والنقل والتصنيع والتسويق، ثم توزع القيمة المضافة عبر سلسلة إنتاج واضحة وعادلة. ويمكن أن تتعاون البلدان في تصنيع الأسمدة ومدخلات الزراعة، وتطوير الصناعات الغذائية، وإنشاء مراكز للبحث الزراعي، وتبادل الخبرات في إدارة المياه، وتطوير النقل البحري والبري، وتيسير المدفوعات التجارية.

ولكيلا يبقى هذا التصور عاماً، ينبغي أن تقوم المشروعات المشتركة على اتفاقات تحدد بوضوح مساهمة كل طرف، وملكية الأصول، ومسؤوليات التمويل والتشغيل، ونسب المخاطر والعوائد، وحقوق استخدام التكنولوجيا والمعرفة. كما ينبغي أن تتضمن أهدافاً قابلة للقياس بشأن المشتريات المحلية، وتدريب العاملين، وتطوير الموردين السودانيين، ونسبة التصنيع الذي يتم داخل السودان أو ضمن سلسلة إنتاج عربية مشتركة. فالتكامل لا يقاس بجنسية المستثمرين أو عدد الاتفاقيات، بل بمدى ما ينشئه من قدرات إنتاجية متبادلة، وما يضيفه إلى مهارات المجتمعات المشاركة.

وفي هذا الإطار، يصبح الأمن الغذائي مشروعا عربيا مشتركا، لا مجرد مجموع سياسات وطنية منفصلة. فالبلدان التي تمتلك الموارد الزراعية تحتاج إلى التمويل والتقنية والبنية التحتية والأسواق، والبلدان التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الغذاء تحتاج إلى مصادر إمداد أكثر تنوعا ومرونة. ويمكن لهذا التكامل أن يخلق منافع متبادلة، شريطة ألا يتحول إلى علاقة بين طرف يملك الأرض والموارد وطرف يحتكر التمويل والتكنولوجيا والقرار.

ولا يعني ذلك أن يتخصص كل قطر في دور ثابت لا يتغير، بل أن تتطور القدرات الإنتاجية في الأقطار جميعها، وأن تتوزع المشروعات وفق المزايا الاقتصادية الحقيقية، وأن تبنى صناعات مشتركة ترفع الإنتاجية وتنقل المعرفة وتفتح المجال أمام العمالة والشركات المحلية. فالتكامل الذي يبقي طرفا مصدرا للمواد الخام إلى الأبد، وطرفا آخر محتفظا بالتصنيع والتكنولوجيا، يعيد إنتاج التفاوت ولا يؤسس نهضة مشتركة.

ومن المؤشرات العملية على إمكان تطوير التعاون العربي أن منظمة الأغذية والزراعة والهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي وقّعتا، في 4 فبراير 2026، مذكرة تفاهم لإطلاق صندوق التحول الزراعي العربي، بهدف حشد التمويل لتطوير النظم الزراعية والغذائية وتعزيز الأمن الغذائي. غير أن أهمية هذه المبادرة ستتحدد بمدى انتقالها من الإطار المؤسسي المعلن إلى تمويل فعلي للمشروعات، ووضوح قواعد الحوكمة واختيار المستفيدين، وشفافية النتائج، وقدرتها على دعم الإنتاج والتصنيع وسلاسل الإمداد في البلدان المستهدفة، ومنها السودان حيث تسمح الظروف.

ثالثاً: جدلية الوحدة والحرية والاشتراكية في الاقتصاد:

هنا نصل إلى جوهر السؤال الفكري الذي يطرحه حزب البعث: ما الصلة بين الوحدة والحرية والاشتراكية؟ وهل هي عناوين متجاورة، أم شروط متبادلة في مشروع واحد؟

الوحدة، في بعدها الاقتصادي، ليست مجرد توحيد الأسواق أو تخفيض الرسوم الجمركية، إنها توسيع مجال التعاون والتخطيط والاستثمار، بما يسمح للموارد والطاقات العربية أن تعمل في إطار أرحب من حدود الدولة المنفردة. لكنها تفقد معناها إذا تحولت إلى مركزية تفرض قراراتها على الشعب، أو إلى سوق مفتوحة لرأس المال دون ضمانات اجتماعية أو رقابة ديمقراطية.

والحرية ليست مفهوماً سياسياً منفصلاً عن الاقتصاد. فالمجتمع الذي يحرم من المشاركة في القرار، وتحجب عنه المعلومات، وتُترك ثرواته لاحتكارات ضيقة، لا يستطيع أن يراقب التنمية أو يصحح مسارها. إن حرية المواطن في التنظيم والتعبير والمساءلة، ووجود مؤسسات مستقلة وقضاء فاعل وبيئة قانونية عادلة، ليست عوائق أمام الاستثمار؛ بل من الشروط التي تمنح الاستثمار الثقة والاستقرار وتحد من الفساد وسوء استخدام السلطة.

أما الاشتراكية، في هذا السياق، فلا ينبغي اختزالها في اتساع ملكية الدولة وحده، كما لا يصح اختزال التنمية في إطلاق السوق وترك توزيع الثروة لقوى السوق وحدها. إن جوهر السؤال الاجتماعي هو: من يملك القرار الاقتصادي؟ من يتحمل المخاطر؟ من يستفيد من العوائد؟ وكيف تحمى الفئات التي لا تمتلك رأس المال أو القدرة التفاوضية؟

ومن منظور قراءة معاصرة للفكر البعثي، يمكن فهم الوحدة والحرية والاشتراكية باعتبارها أبعاداً مترابطة لمشروع تحرر ونهضة: فالوحدة توسّع مجال التعاون والعمل الإنتاجي العربي، والحرية تقتضي مشاركة المجتمع في القرار ومساءلة المؤسسات، والاشتراكية تطرح سؤال توجيه الثروة والفرص نحو حاجات المجتمع والعدالة الاجتماعية. غير أن قيمة هذه المبادئ في المجال الاقتصادي لا تقاس بصياغتها النظرية وحدها، بل بقدرتها على توجيه السياسات والمؤسسات، وتحسين الإنتاجية، وتوسيع فرص العمل، والحد من التفاوت، وضمان أن تعود الموارد العامة بالنفع على المجتمع.

وفي السودان تحديدا، يعني ذلك ألا يقاس نجاح الاستثمار بحجم الأموال الداخلة وحده، بل بقدرته على خلق وظائف مستقرة، وزيادة القيمة المضافة المحلية، وتطوير مهارات العمال، وتوسيع مشاركة المنتجين الصغار، وتحسين الخدمات، وحماية الموارد الطبيعية. كما يعني ألا تتحول المشروعات إلى جزر معزولة عن المجتمع، تستورد معظم مدخلاتها، وتصدر أرباحها، وتترك خلفها اقتصادا ضعيف الروابط.

إن العدالة الاجتماعية ليست إضافة تجميلية تأتي بعد النمو، إنها جزء من شروط استدامته. فالاستثمار الذي يوسع الإنتاج لكنه يراكم التهميش قد يزيد التوترات التي تهدد استمراره، أما الاستثمار الذي يربط العائد الاقتصادي بتحسين الحياة العامة فيمنح التنمية أساساً اجتماعياً أمتن.

يتبع لطفاً،،،،،،،،،،،،،،

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.