كتب المحرر السياسي ل “الهدف”
▪️ثمة فرقٌ كبير بين الواعي والمثقف، وبين المعلم والأستاذ، وبين صاحب السلطة وصاحب الأثر. الوعي قدرة على إدراك الأشياء في سياقاتها، والثقافة نضال الكل المركب بالعقل والوجدان والسلوك، والتعليم رسالة تتجاوز نقل المعرفة إلى بناء الإنسان قبل العمران. أما السلطة، فمهما اتسعت صلاحياتها واستطال أمدها، تبقى عابرة بحكم طبيعتها، تتغير مواقعها وشاغلوها وكيفية استخدامها، بينما يظل أثر العلم والمبدع والمثقف شاهدًا على أصحابه.
▪️قد يستطيع مسؤول أن يصدر قرارًا بإيقاف نشاط، أو يمنع معلمًا من أداء مهمة، أو يستبعد مهنيًا أو حرفيًا حاذقًا، من موقع أو تكليف، لكنه لا يستطيع بقرار إداري متحيز ومتعدي على القوانين، أن يلغي مسيرة علمية، أو ينتزع مكانة صنعتها سنوات من العطاء والتجرد، أو يمحو حضورًا رسّخته الثقافة في ذاكرة المجتمع. فالاستبعاد قد يطال الموقع، لكنه لا يطال القيمة وما استقر في ثنايا المجتمع، والمنصب يُمنح ويُسحب، أما الاحترام فيُكتسب بالعمل الدؤوب والعطاء الخالد والإخلاص بلا من أو أذى.
▪️ ومن هذا المعنى، نتوقف أمام ما تعرّض له الأستاذ عمر السنوسي، أحد الرموز العلمية والثقافية والتربوية البارزة في ولاية الجزيرة وعلى نطاق القطر، وصاحب تجربة متعددة المشارب في الدراما والنقد والحقوق والتربية والتعليم، ورئيس رابطة الجزيرة للآداب والفنون، والفائز بجائزة الطيب صالح في الكتابة.
▪️ وقد أثار ما نُقل عن إيقافه من قبل سلطات ولاية الجزيرة، من الإشراف على دورة تدريبية للمعلمين، بتكليف من المركز الثقافي البريطاني وبالتنسيق مع الجهات المختصة، أسئلةً تتجاوز الواقعة الإدارية إلى جوهر العلاقة بين الوظيفة والسلطة، وبين المهنية والتحيزات السياسية.
إن المؤسسات التربوية والثقافية ليست ملكًا لأحد، حزبًا كان أو جماعة، ولا ينبغي أن تتحول إلى أدوات لتصفية الخلافات أو إقصاء أصحاب الخبرة والكفاءة. وإحلالهم بمن هو أدنى من أهل الولاء، بالإمعان في سيناريو التمكين سئ الذكر.
▪️ إلى الأستاذ عمر السنوسي، كحالة لسوابق، تؤكد “الهدف ” عبر تضامنها موقفها الثابت والأصيل من مساعي تسيس الخدمة المدنية والعسكرية، ومن الحق في التوظيف والتدرج حسب التدرج والكفاءة، وحق السودانيين، كل السودانيين، المنافسة المتساوية في التعيين للوظائف المعلنة، والاستمرار والترقي وفق القوانين، وبمعزل عن أي تصنيفات ومنطلقات سياسية أو أيدوجية، بحسبان ذلك فوق أنه حق للمواطن وعلى الدولة كفالته وحمايته، أحد دعائم الوحدة الوطنية وتعزيز الانتماء للوطن والولاء والرضى الوظيفي.
▪️قد تتبدل المواقع، وتتغير السلطات، لكن ما يتركه المعلم في عقول تلاميذه، وما يضيفه المثقف إلى وجدان مجتمعه، أبقى من كل قرار متحيز وقاصر. فالأوطان لا تحفظ أسماء من شغلوا المناصب وحدهم، بل تحفظ قبل ذلك أسماء من أناروا العقول والطريق وعمقوا الوعي وخلدهم الإبداع والتميز. في تأكيد على مكانة الثقافة والمثقف في النهوض بالأمة العربية وأقطارها وإنبعاثها، التي تلخصها مقولتي القائد المؤسس في سبيل البعث( الثقافة هي النضال.. والمثقف هو من يربط مصيره بمصير أمته ومصلحته بمصلحة شعبه) ومقولة الأمين العام الأسبق الشهيد صدام حسين(الفنان كالسياسي كلاهما يصنعان الحياة بصيغ متقدمة).
ففي البدء كانت الكلمة وليس السلطة.
المجد للنضال.. المجد للشهداء.. المجد للشرفاء

Leave a Reply