د محمد عبدالله
من أخطر ما أفرزته الح.رب السودانية، إلى جانب الق.تل والدمار والنزوح، أنها أوجدت مناخاً اختلت فيه معايير الحكم على الأشياء، حتى أصبحت المطالبة بأبسط مقومات الحياة موضع اتهام، وكأن الدفاع عن حق المواطنين في الكهرباء والماء والخدمات نوع من الترف الذي ينبغي تأجيله إلى حين انتهاء الح.رب.
فقد أخذت بعض الأصوات المؤيدة لإستمرار الح.رب ، تروّج لفكرة أن الكهرباء ليست أولوية في الوقت الراهن، وأن على السودانيين أن يتكيفوا مع انقطاعها، ولو امتد ذلك شهوراً أو سنوات، لأن الأولوية، كما يقولون، هي للمعركة العسكرية، وما عداها يمكن أن ينتظر.
هذه ليست مجرد وجهة نظر في ترتيب الأولويات، بل تعبير عن خلل عميق في فهم معنى الدولة ووظيفتها. فالدولة لا توجد من أجل الح.رب، ولا تُقاس قدرتها بعدد الطائرات والمدافع التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على حماية حياة مواطنيها، وتوفير الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، حتى في أصعب الظروف.
الكهرباء ليست مجرد إنارة للمنازل. إنها تشغيل للمستشفيات، وحفظ للأدوية والأمصال، وضخ للمياه، واستمرار للمخابز والمصانع، واتصال الناس بأسرهم وأعمالهم. وانقطاعها لا ينتقص من رفاهية المواطنين فحسب، بل يهدد صحتهم وسلامتهم، ويضاعف معاناة المرضى وكبار السن والأطفال، ويضع أعباء إضافية على أسر أنهكتها الحرب أصلاً.
ومن غير المقبول أن يُطلب من مواطن سوداني أن يعتذر عن مطالبته بالكهرباء، أو أن يشعر بالذنب لأنه يريد الماء في منزله، أو أن يجد المستشفى الذي يعالج فيه مريضه قادراً على أداء واجبه. فهذه ليست مطالب لأجل الرفاه ولا امتيازات استثنائية، وإنما حقوق أساسية لا تسقط في زمن الح.رب.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض الخطابات لا تكتفي بتبرير الأزمة، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، فتطالب الناس بالاستعداد لسنوات من الحرمان، وكأن انهيار الخدمات قدر لا يجوز الاعتراض عليه، أو تضحية ينبغي أن يقدمها المواطنون بصمت.
إن هذا المنطق يعيد إلى الأذهان واحدة من أخطر سمات الأنظمة الشمولية، وهي الاعتقاد بأن بقاء السلطة ومشروعها السياسي أهم من بقاء الدولة ومصالح المجتمع. وقد جسّد هتلر هذه العقلية في الأيام الأخيرة للح.رب العالمية الثانية، عندما أمر بتدمير ما تبقى من المنشآت الصناعية ووسائل النقل والبنية التحتية الألمانية، حتى لا تقع في أيدي قوات الحلفاء. كان يرى أن ألمانيا التي لم تعد قادرة على حماية نظامه لا تستحق أن تحتفظ بمقدراتها.
وبصرف النظر عن اختلاف السياقات التاريخية، فإن الدرس هنا واضح: عندما تختلط مصلحة النظام بمصلحة الوطن، يصبح تدمير مقدرات البلاد أمراً قابلاً للتبرير، وتتحول معاناة المواطنين إلى تفصيل لا يستحق الالتفات إليه.
ومن المفارقات أن كثيراً ممن يطالبون السودانيين بالصبر على انقطاع الخدمات لا يعيشون بالضرورة الظروف التي يطالبون الآخرين بتحملها. فليس من الصعب إصدار بيانات وتغريدات تدعو إلى التقشف والتضحية من خارج البلاد، بينما يواجه المواطن في الداخل انقطاع الكهرباء والمياه، وغلاء الأسعار، وانعدام الأمن، وصعوبة الحصول على العلاج والاحتياجات الأساسية.
ولا يجوز أن يتحول الانتماء السياسي إلى مبرر لإسكات الناس، أو أن تصبح المطالبة بالخدمات دليلاً على ضعف الوطنية. فالسوداني الذي يرفض الحرب ويطالب بالكهرباء والماء والدواء لا يقل حرصاً على وطنه عن أي مواطن آخر. بل إن من حقه أن يسأل عن مصير مؤسسات بلاده، وعن أسباب عجزها، وعن الخطط الموضوعة لإعادة تشغيلها.
لقد دفع السودانيون ثمناً فادحاً لهذه الح.رب. فقدوا بيوتهم وأعمالهم ومدخراتهم، وتشتتت أسرهم بين النزوح واللجوء، وعاد بعضهم إلى مناطقهم ليجدوا واقعاً اقتصادياً وخدمياً وأمنياً بالغ القسوة. وليس من العدل أن يُطلب منهم، بعد كل ذلك، أن يتخلوا حتى عن حقهم في السؤال والمحاسبة.
إن إعادة بناء السودان لا تبدأ بإقناع مواطنيه بأنهم يستطيعون العيش بلا كهرباء، ولا بتعويدهم على انهيار الخدمات، وإنما بالاعتراف بأن حياة الناس وكرامتهم يجب أن تكونا في مقدمة الأولويات.
فالسودان ليس مشروعاً سياسياً، ولا ملكاً لتنظيم أو سلطة، والمواطنون ليسوا وقوداً لحروب الآخرين. والحاكم الذي لا يستطيع أن يوفر أبسط مقومات الحياة، لا يجوز أن يطالبهم بالصمت عن معاناتهم باسم الوطنية.

Leave a Reply