حين يتحول الحق العربي إلى أوراق تفاوضية

صحيفة الهدف

بقلم الرفيق الأستاذ  عثمان الحاج عمر

عضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي

أمين سر قيادة قطر تونس

. اجتماع جماعة «اتفاق مكة» في طهران: حين تتحوّل الحقوق العربية إلى أوراق تفاوض، ويُمنح النفوذ الإيراني ما عجزت عن انتزاعه بالح.رب

إنّ اجتماع جماعة «اتفاق مكة» في طهران يطرح أسئلة خطيرة حول طبيعة التفاهمات التي يجري العمل عليها، وحول ما إذا كانت المنطقة مقبلة على تسوية تُدفع كلفتها من رصيد الحقوق العربية والسيادة الوطنية والأمن القومي العربي.

فإيران التي خاضت، طوال ما يقارب خمسة عقود، صراعاً متعدّد الأشكال من أجل توسيع نفوذها في الإقليم، تجد نفسها اليوم أمام فرصة للحصول على مكاسب سياسية واستراتيجية لم تتمكّن من انتزاعها كاملة طوال تلك السنوات بالمجان وبلا مقابل !!!

فهل يُعقل أن تتحوّل التضحيات العربية، وما تحمّلته شعوب المنطقة من حروب ودمار وتهجير، إلى ثمنٍ لتفاهمات تُكرّس لإيران نفوذاً إقليمياً أوسع، وتمنحها شرعية التدخل في الشؤون العربية، وتفتح أمامها أبواب الاختراق المباشر للأمن القومي العربي؟

إنّ جوهر المسألة ليس في انعقاد اجتماع هنا أو هناك، ولا في مجرّد الجلوس إلى طاولة التفاوض، بل في ما الذي يُقدَّم على تلك الطاولة، ومن يملك حقّ التنازل، وعلى حساب مَن تُعقد التسويات؟

إنّ قبول التدخل الإيراني في شؤون الأقطار العربية، والتسليم لها بالأمر الواقع الذي صنعته سنوات من الصراع والتدخلات، لا يمكن اعتباره مجرّد تفاهم سياسي عابر؛ لأنّ نتائجه تتجاوز اللحظة الراهنة، وقد تتحوّل إلى سابقة تُقوّض مفهوم السيادة الوطنية، وتُضعف قدرة العرب على حماية أمنهم ومصالحهم المشتركة.

أمّا تركيا وباكستان، فلكلّ منهما حساباته ومصالحه الخاصة، ومن المؤكد أن لا تتطابق  حساباتهما مع مقتضيات الأمن القومي العربي. فهما ليستا معنيّتين بما يعني العرب من مخاطر اتساع النفوذ الإيراني، بل وتسعيان، في إطار تنافس المصالح وتقاسم النفوذ، إلى ضمان نصيبهما من أي ترتيبات إقليمية جديدة،

وهنا مكمن الخطر: أن يتحوّل مستقبل المنطقة إلى موضوع مساومات بين قوى إقليمية، بينما يُغيَّب الشعب العربي، وتُختزل سيادة دوله في تفاهمات لا يكون هو صاحب القرار فيها.

إنّ أمن العرب لا يُصان بتدوير النفوذ بين القوى الإقليمية، ولا باستبدال هيمنة بأخرى، ولا بمنح الشرعية السياسية لوقائع فُرضت بالتدخل والصراع. إنّه يُصان باستعادة القرار الوطني المستقل، وبناء موقف عربي مشترك، وإقامة علاقات متكافئة مع دول الجوار، قوامها احترام السيادة وعدم التدخل.

فإذا كان اجتماع طهران مدخلاً إلى تسوية، فإنّ السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بوضوح هو: هل نحن أمام تسوية تُنهي أسباب الصراع وتحفظ حقوق شعوب المنطقة وسيادة دولها، أم أمام صفقة تُحوّل سنوات الصراع إلى رصيد تفاوضي لإيران، وتفتح الباب أمام أطراف أخرى للمطالبة بحصصها من النفوذ؟

ذلك هو السؤال الذي لا يجوز أن يُحجب وراء عناوين التهدئة والتفاهمات الإقليمية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.