حين قايض الراحلون قهوة الأمهات بملح البحر

صحيفة الهدف

خالد ضياء الدين

كتب محمود درويش: أحنّ إلى قهوة أمي.. ياترى كم مليون ابن يحنّ الآن إلى قهوة أمه، وكم أم افتقدت جلسة القهوة مع ابنها، وكم فنجان يُشتهى رشفة حب وقراءة بخت، وكم جلسة افتقدنا.

    تقطعت الأوصال، وتباعدت الأمصار، وتوقفت حتى السماء، فجف الزرع ويبس الضرع حزنًا على من رحلوا.

منطادات ورصاصات وسجون ومقابر جماعية، مسيرات ونزوح ولجوء، وهناك أم ما تزال تنتظر قلية البن وفوران الشرقرق.

الذين وصلوا للضفة الأخرى لم يجدوا الجميلات في انتظارهن، فقد خدعوهم حين قالوا لهم إن الشقراوات يفضلن الرجل الأسود، وإن الدولار على قفا من يشيل، فشالتهم الهاشمية، ولم تمنعهم: (عافي منك وراضية عنك، سو رضايا ما بخيب الرضى، والدته يا جنايا).

قالوا: كلها شهور ونحوّل الدولارات، ولكن يمنعهم الخجل من طلب التحويلات العكسية، وهناك في الحلة أم تنتظر عودة الحبيب المنتظر:

(في غيابك أضناني الألم… فقدت للأيام مذاق اندسى في قلبي النغم… اتجلى في عيوني الفراق أصبحت أشعر كالسجين… لو مرت النسمات تطوف من خلف شباكه الحزين… تحمل من الورد العطوف السلوى في ضمة حنين… والذكرى في رحلة سراب)

وهنا القهوة لا تشبه قهوة أمي، حتى الأمهات هنا لا يشبهن أمي، والبلاد الصقيع تلفح الوجوه مثل صفعة طائر بجناحه، هنا لا شيء يشبهنا إلا الضياع، هنا وهناك واحد.

البحر يقاسمنا الأنفس، نصف للوصول ونصف للموج، والشاطئ الملعون لا يستقبل سوى الغرقى.

عسس الحدود والأسلاك الشائكة، جدار أسمنتي وديدبان يراقب وصولنا ليعيدنا للبحر أو للسجن.

لفظنا البحر مثل وجبة سامة، لفظنا الوطن كحثالة، لفظنا أنفسنا وبعنا فنجان القهوة بثمن بخس.

أيها الراحلون… هنا لا شيء سوى الخديعة، هناك لا شيء سوى الفجيعة، وإني خيّرتك فاختر ما بين الموت في كفن أو الموت على تابوت الكفار.

هنا يشربون القهوة أكثر في الشتاء فرادى، وعندنا نشربها جماعة أو في حضرة الأمهات.

(يا بنية سوي الجبنة يا بنية

فوق ضل الضحاوية

سويها.. الجبنة التسويها

حالف ما بخليها)، هكذا صرّح أدروب الذي باع كل أغاني الرحيل ووعود العم سام مقابل فنجان جبنة، اقسم بعدم الرحيل وبر بوعده.

وكتب عبد الرحيم أرقي:

أنت من شبيت صغير راسي، ما بتحتاج وصايا

ما حصل خيبت ظني، وما فشل فيك غنايا

لا تسيب أمك تهاجر، يمة محتاجة الحماية

لا تسيبني وراك ترحل، أنت ياهو ضلي وضرايا..

ثم رحل الولد تاركًا فنجان قهوته وحيدًا، ولسان حال أمه يقول: كيف يهون لك تحزن أمك عشان تحقق ليك غاية؟!

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.