سلسلة قراءات تحليلية في التقرير السياسي للمؤتمر القومي الثالث عشر – 9
إعداد: لجنة الدراسات الاستراتيجية
لم تعد تداعيات «طوفان الأقصى» وح.رب الإب.ادة التي شنها الكيان “الصهيوني” على قطاع غزة محصورة في حدود فلسطين المحتلة، بل امتدت لتفتح مرحلة جديدة من الصراع العربي–”الصهيوني”، عنوانها الانتقال من محاولة إخضاع الشعب الفلسطيني إلى توسيع العدوان على الجبهات الإقليمية، واستحضار المقولات التوراتية لتبرير مشاريع التوسع والضم والهيمنة.
فالح.رب التي بدأت في أكتوبر 2023 لم تنتهِ فعلياً بتراجع العمليات العسكرية الواسعة، وإنما تواصلت بأشكال مختلفة، من استمرار القصف والتدمير والاحتلال الجزئي لقطاع غزة، إلى تسريع تهويد القدس والضفة الغربية، وتصاعد “إرهاب” المستوطنين، وشن الح.روب الإقليمية، وصولاً إلى محاولة فرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة على المنطقة العربية.
وتطرح هذه التطورات سؤالاً يتجاوز مصير حكومة نتنياهو وأزماتها: هل دخل المشروع “الصهيوني” مرحلة أزمة وجودية تكشف تناقضاته التاريخية، أم أن اندفاعه نحو التوسع واستحضار الأوهام التوراتية يمثل محاولة للخروج من هذه الأزمة عبر المزيد من الح.روب وفرض الوقائع بالقوة؟
المشروع “الصهيوني” وطبيعته الاستعمارية
إن الإجابة تستوجب العودة إلى طبيعة المشروع “الصهيوني” نفسه، بوصفه مشروعاً استيطانياً استعمارياً قام على اغتصاب فلسطين وتشريد شعبها، ثم تحول إلى قاعدة متقدمة للمصالح الاستعمارية الغربية في قلب الوطن العربي.
فمنذ قيام الكيان عام 1948، لم تكن وظيفته مقتصرة على السيطرة على فلسطين، بل ارتبطت بمنع تبلور قوة عربية موحدة، وإدامة التجزئة القطرية، وإضعاف الدول العربية التي تمتلك مقومات النهوض القومي والاستقلال السياسي والاقتصادي.
وقد شكلت الح.روب والاعتداءات المتكررة على الأقطار العربية، واحتلال الأراضي الفلسطينية والعربية، ومحاولات فرض التطبيع، حلقات متصلة في هذا المشروع.
وفي هذا السياق، فإن العلاقة الأمريكية–”الصهيونية” ليست مجرد علاقة دعم عسكري ومالي ودبلوماسي، وإنما هي علاقة استراتيجية تتداخل فيها مصالح الهيمنة الأمريكية مع وظيفة الكيان “الصهيوني” في إعادة تشكيل المنطقة وإضعاف مقومات الأمن القومي العربي.
ولهذا لا يصح فصل العدوان “الصهيوني” الراهن عن المشروع الأمريكي لإقامة نظام إقليمي جديد، يحتل فيه الكيان موقع القوة المتفوقة، بينما تتحول الأقطار العربية إلى كيانات متفرقة ومكشوفة أمام الاختراقات الخارجية.
“طوفان الأقصى” وانكشاف أسطورة الردع
أحدثت عملية «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر 2023 هزة عميقة في منظومة الأمن والردع “الصهيونية”، وكشفت أن التفوق العسكري والتكنولوجي والاستخباراتي لا يستطيع توفير أمن دائم لكيان يقوم على الاحتلال ومصادرة الحقوق الوطنية لشعب فلسطين.
وجاء الرد “الصهيوني” بح.رب تدميرية غير مسبوقة على قطاع غزة، استهدفت الإنسان والعمران ومقومات الحياة، في محاولة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني، وتصفية المقاومة، وفرض واقع سياسي وديموغرافي جديد.
غير أن حجم التدمير الهائل لم يحسم جوهر الصراع، ولم ينجح في اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه أو إنهاء قضيته الوطنية.
لقد كشفت الح.رب مفارقة تاريخية عميقة: فكلما عجز الكيان عن تحقيق أهدافه السياسية، لجأ إلى توسيع استخدام القوة العسكرية، وكلما تصاعد التدمير، ازدادت حدة التناقض بين قدرته على البطش وعجزه عن إلغاء الحقيقة الفلسطينية.
وهذا لا يعني أن موازين القوى العسكرية قد تبدلت لمصلحة الفلسطينيين، بل يعني أن التفوق العسكري، مهما بلغ، لا يحسم بمفرده صراعاً تحررياً ممتدا ومتجذرا.
غزة: استمرار العدوان ومحاولة فرض الاستسلام
لم يؤدِ اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025 إلى إنهاء العدوان بصورة كاملة. فقد واصل الكيان عملياته العسكرية الهمجية والمتكررة، واحتفظ بسيطرته على مساحات واسعة من القطاع، وربط استكمال الانسحاب بشروط تتعلق بنزع سلاح المقاومة والترتيبات الأمنية والسياسية المستقبلية.
كما استمرت القيود المفروضة على دخول المساعدات والمستلزمات الطبية والوقود ومواد الإعمار، في ظل دمار واسع النطاق ونزوح جماعي وانهيار قطاعات أساسية من الخدمات.
وفي أكتوبر 2026، ظلت الأمم المتحدة توثق سقوط ضحايا فلسطينيين نتيجة القصف وإطلاق النار، إلى جانب عمليات الهدم والتحركات العسكرية بالقرب من خطوط الانتشار “الصهيوني”.
ويكشف هذا الواقع أن الكيان يسعى إلى تحويل وقف إطلاق النار من مدخل لإنهاء الاحتلال إلى وسيلة لفرض شروطه على مستقبل غزة، والإبقاء على القطاع تحت التهديد العسكري والحصار الاقتصادي والإنساني.
فالمسألة لا تتعلق بإجراءات أمنية مؤقتة، وإنما بمحاولة إخضاع الشعب الفلسطيني وتجريده من مقومات الصمود وإعادة البناء، تمهيداً لفرض ترتيبات تتجاوز إرادته الوطنية.
لبنان وإيران: اتساع العدوان وصراع المشاريع على حساب الأمن القومي العربي
شكل توسيع الكيان “الصهيوني” عدوانه من غزة إلى لبنان وسورية، ثم اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين التحالف الأمريكي–”الصهيوني” وإيران، مرحلة جديدة من الصراع على مستقبل المنطقة، لم تعد فيها الح.روب محصورة في حدود فلسطين المحتلة، بل باتت تستهدف إعادة تشكيل موازين القوى والنفوذ في الوطن العربي بأسره.
أما الحرب الأمريكية–الصهيونية مع إيران، فلا يمكن النظر إليها من زاوية المواجهة العسكرية وحدها، وإنما باعتبارها تعبيراً عن تصادم مشاريع دولية وإقليمية تتنافس على النفوذ في المجال العربي. فالمشروع الإيراني، رغم رفعه شعارات الدفاع عن فلسطين ومواجهة الكيان “الصهيوني”، مارس سياسات توسعية وتدخلات واسعة وخطيرة في الشؤون العربية، وأسهم في تفكيك البنى الوطنية وإضعاف الدولة العربية، وخاصة في العراق وسورية، مستثمراً الانقسامات الطائفية والسياسية لتوسيع نفوذه الإقليمي.
والأخطر أن المنتصر في هذه المواجهة، أياً كان، لن يكتفي بنتائجها داخل حدوده، بل سيسعى إلى توسيع نفوذه وهيمنته في الفضاء العربي. ولذلك فإن مواجهة هذه المخاطر لا تتحقق بالمراهنة على انتصار هذا المشروع أو ذاك، وإنما باستعادة المشروع القومي العربي المستقل، وبناء منظومة أمن قومي مشترك تحمي الوطن العربي من الأطماع “الصهيونية” والتدخلات الإقليمية والهيمنة الأجنبية.
تهويد الضفة الغربية: الوجه الآخر لح.رب الإب.ادة
بالتوازي مع تدمير غزة، تسارعت الإجراءات “الصهيونية” الرامية إلى تغيير الواقع الجغرافي والسكاني في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
فقد توسع الاستيطان، وتزايد الاستيلاء على الأراضي وهدم المنازل، واشتدت القيود على حركة الفلسطينيين، فيما تحولت اعتداءات المستوطنين إلى أداة يومية لترهيب السكان ودفعهم إلى مغادرة قراهم وأراضيهم.
وتكشف تقارير الأمم المتحدة أن عام 2026 شهد تصاعداً كبيراً في اعتداءات المستوطنين، تجاوز عدد الحوادث التي أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات ألفي حادثة حتى منتصف أكتوبر.
وهذه الاعتداءات ليست أحداثاً منفصلة عن السياسة الرسمية؛ فهي تتكامل، في نتائجها، مع التوسع الاستيطاني والإجراءات الإدارية والعسكرية التي تعزز السيطرة “الصهيونية” على الأرض الفلسطينية.
كما يتواصل استهداف القدس وهويتها العربية، عبر التوسع الاستيطاني والتضييق على المقدسيين وتكثيف الإجراءات الرامية إلى تغيير معالم المدينة وواقعها السكاني والديني.
وبذلك تتكامل حرب التدمير في غزة مع حرب الاقتلاع والتهويد في الضفة والقدس، ضمن مسار يرمي إلى تصفية الوجود الوطني الفلسطيني بوصفه صاحب الحق التاريخي في الأرض.
الأوهام التوراتية ومشروع التوسع
في قلب هذه التطورات يبرز الصعود المتزايد “للصهيونية” الدينية، التي تستحضر مقولات «أرض الميعاد» و«إسرائيل الكبرى» لتبرير ضم الأراضي الفلسطينية ورفض أي اعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
ولم تعد هذه المقولات مجرد شعارات ترددها جماعات متطرفة على هامش الحياة السياسية، بل أصبحت حاضرة في برامج قوى مشاركة في الحكم، وفي الخطاب السياسي الداعي إلى التوسع والاستيطان والسيطرة الدائمة على الأراضي المحتلة.
إن استحضار الروايات التوراتية هنا ليس تعبيراً عن التدين اليهودي بحد ذاته، وإنما توظيف سياسي انتقائي للنصوص الدينية لتبرير الاستيلاء على الأرض وإخضاع الشعوب.
وهذا التوظيف يفضح أحد التناقضات الأساسية للمشروع “الصهيوني” ، الذي يسعى إلى إضفاء شرعية دينية وتاريخية على واقع استيطاني نشأ بالقوة والتهجير.
والأخطر أن هذه النزعة التوسعية لا تقف عند حدود فلسطين، بل تتقاطع مع التصورات التي تنظر إلى المحيط العربي باعتباره مجالاً مفتوحاً للهيمنة العسكرية والأمنية والاقتصادية.
فلسطين والتحرير: جوهر المشروع القومي العربي
إن القضية الفلسطينية، كما يؤكد التقرير السياسي للمؤتمر الثالث عشر، ليست نزاعاً حدودياً يمكن اختزاله في ترتيبات أمنية أو مساومات على أجزاء من الأرض، بل هي قضية تحرر وطني تتصل بحقوق شعب اقتلع من وطنه، وقضية قومية تتصل بمستقبل الأمة العربية وأمنها واستقلالها.
ومن هذا المنطلق، فإن مواجهة المشروع “الصهيوني” تستوجب إعادة الاعتبار لوحدة القضية الفلسطينية على كامل أرض فلسطين التاريخية، وحق اللاجئين في العودة، ورفض التهويد والاستيطان والتهجير والتطبيع، ودعم نضال الشعب الفلسطيني المشروع لتحرير أرضه واستعادة حقوقه.
كما تستوجب تجاوز حالة العجز الرسمي العربي، وإعادة بناء التضامن القومي على أسس سياسية واقتصادية وشعبية فاعلة، وإحياء المشروع العربي النهضوي القادر على حماية السيادة الوطنية ومواجهة مشاريع التفتيت والهيمنة.
إن الكيان “الصهيوني” يحاول معالجة أزماته التاريخية بالمزيد من العدوان والتوسع واستحضار الأوهام التوراتية، لكنه بذلك لا يلغي أسباب الصراع، بل يعمقها ويوسع نطاقها.
أما الحقيقة التي أعادت حرب غزة تأكيدها، فهي أن فلسطين لم تسقط من الوعي القومي العربي، وأن إرادة شعبها في التحرر لم تنكسر، وأن المشروع “الصهيوني” ، مهما امتلك من قوة، لن يستطيع إلغاء الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني أو انتزاع فلسطين من وجدان الأمة العربية. وستبقى معركة تحرير فلسطين جزءاً لا يتجزأ من معركة الأمة من أجل الوحدة والحرية والنهضة.

Leave a Reply