د. توتا صلاح مبارك
«المتاريس التي شيّدتها
في ليالي الثورة الحمراء
هاتيك الجموع»
ثورة أكتوبر، أمُّ الثورات، وفاتحة الانتفاضات، وباكورة الهبّات الشعبية في السودان. لكن، هل حققت ما بُذل من أجلها؟ أم انتهى بها المطاف إلى الرفوف، أو إلى جُبِّ النسيان، كما عبّر الشاعر هاشم صديق، فلا تُستدعى إلا في الحوليات والاحتفاءات و«الأكتوبريات» التي تُزيّن إرثنا من الأناشيد والأهازيج الوطنية؟
يبدو أن هذا هو ديدن الثورات في السودان، تُوأَد قبل أن يحين قطافها، وتُختزل بعد انطفاء وهجها في ذكرى نستعيدها كلما أطلّ أكتوبر، أو أبريل، أو ديسمبر، فيما تظل الأسئلة التي فجّرتها معلّقة، وتظل الأحلام التي أشعلت جذوتها تنتظر الواقع.
وحين ينساب الحديث عن ثورة أكتوبر سلسًا طريًّا، لا بد أن يتوقف عند تلك الليلة الفارقة: «ليلة المتاريس».
دخل هذا التعبير القاموس السياسي السوداني من أوسع معابره، ليحيل إلى ليلة التاسع من نوفمبر عام 1964، حين تجلّى وعي الجماهير بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقها في حماية الثورة من خطر الردّة والانقلاب المضاد.
فبعد نجاح ثورة الحادي والعشرين من أكتوبر 1964 في الإطاحة بنظام الفريق إبراهيم عبود، وتشكيل حكومة انتقالية مدنية، ظلّ عبود في منصبه رئيسًا للدولة، في إطار تسوية سياسية كرّست للمؤسسة العسكرية حضورها في المشهد الانتقالي.
وقبل تلك الليلة بيومين، طرد الجيش عددًا من صغار الضباط الذين انحازوا إلى الشعب. وتزامن ذلك مع تواتر معلومات إلى جبهة الهيئات، التي كانت تقود الحراك الثوري، تفيد بأن ضباطًا من المجلس العسكري السابق يخططون لانقلاب مضاد، وأن الدبابات تستعد لمغادرة ثكناتها لإجهاض الثورة.
عندها بدأت حالة الاستنفار.
انطلق نداء استنهاض الجماهير عبر إذاعة أم درمان، وترددت النداءات العاجلة في دور السينما والأماكن العامة، تحثّ المواطنين على الخروج لحراسة المباني الحكومية والتصدّي للدبابات المتوقعة.
ولنا أن نتخيّل حجم الجهد الذي استلزمته تعبئة الجماهير في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل التي نعرفها اليوم متاحة؛ زمن كانت فيه الكلمة تُنقل بالصوت، والنداء ينتقل من فم إلى فم، فيما كانت الشوارع نفسها تتحوّل إلى ساحات للفعل الشعبي.
كانت الاستجابة مذهلة. خرجت جموع السودانيين إلى الشوارع، وأغلقت الطرق بمتاريس ضخمة شُيّدت من الحجارة وأعمدة الكهرباء وجذوع الأشجار والسيارات القديمة، لتقف حائلًا دون تقدّم الآليات العسكرية.
ومن قلب تلك المواجهة انطلق الشعار الذي سيصبح أيقونةً في ذاكرة النضال السوداني:
«لن تمرّوا!»
لم تكن المتاريس حجارةً تُرصّ في الطرقات فحسب، بل كانت إعلانًا شعبيًا بأن الثورة ليست حدثًا ينتهي بإسقاط النظام، وإنما مسؤولية تتطلب من الناس أن يحرسوا ما انتزعوه بإرادتهم.
ومنذ تلك الليلة، دخلت مفردة «الترس»، وفعل «التتريس»، قاموس النضال السوداني، متجاوزةً معناهما المادي إلى دلالة أوسع: أن يقف الشعب بجسده وإرادته سدًّا في وجه ما يهدد أحلامه. وظل هذا الإرث حاضرًا في الذاكرة الجمعية، ليستعيده السودانيون في ثورة ديسمبر المجيدة، حين عادت المتاريس إلى الشوارع، وعاد معها صدى الهتاف القديم.
ولعلّ من أبهى ما خلّد تلك الملحمة نشيد «المتاريس»، الذي كتبه الشاعر مبارك حسن خليفة، ولحّنه مكي سيد أحمد، وغنّاه الفنان الراحل محمد الأمين، فحمل أصوات تلك الليلة من الشوارع إلى الذاكرة الوطنية:
المتاريس التي شيّدتها
في ليالي الثورة الحمراء
هاتيك الجموع
فالمتاريسُ دماءُ الشهداء
والمتاريسُ عيونُ الشرفاء
والمتاريسُ قلوبُ الكادحين
والمتاريسُ ضلوعُ الثائرين
والمتاريسُ حِداءُ الثائرات
فالمتاريس ستبقى
شامخاتٍ في بلادي
هكذا تحوّلت المتاريس، في النشيد، من حواجز مادية إلى ذاكرة حيّة، دماءٌ وعيونٌ وقلوبٌ وضلوع، تمثّل ما بذلته الجماهير، وما حملته من آمال، وما أبدته من استعداد للدفاع عن ثورتها.
وفي أعقاب تلك الليلة، تراجع خطر التحرك العسكري المضاد، وأُبعد أعضاء المجلس العسكري واعتُقلوا، ثم انتهى الأمر باستقالة الفريق إبراهيم عبود.
لكنّ التاريخ لا يُقرأ من لحظات انتصاره وحدها، بل من الأسئلة التي يتركها معلّقة بعد انقضاء الاحتفال.
فها هو أكتوبر يأتي كل عام، فنفتّش في مضابره عن ذكرى نستعيرها، ونمضغها بمرارة، ونحن نتأمل ما آلت إليه ثوراتنا، وما نالته من خيبات، كأننا نُحسن الاحتفاء بالبدايات، ولا نملك دائمًا القدرة على صون ما بشّرت به.
فهل كُتب على ثوراتنا أن تبقى أعيادًا في الذاكرة، وأحلامًا مؤجّلة في الواقع؟
كل ثورة تصبح ذكرى،
أكتوبر وأبريل…
والعمر زهرة.
ثم تأتي أمُّ الثورات،
ديسمبر الغُرّة.

Leave a Reply