سؤال العدد: لماذا ظلت انتفاضة أكتوبر 1964م الأكثر خلوداً في الوجدان الشعري والغنائي السوداني مقارنةً بانتفاضتي أبريل 1985 وديسمبر 2018م؟

صحيفة الهدف

شكّلت انتفاضة أكتوبر 1964م محطةً فارقة في التاريخ السياسي والثقافي السوداني، ولم يقتصر أثرها على إسقاط الحكم العسكري، بل امتد إلى الشعر والغناء والأناشيد الوطنية التي عبّرت عن تطلعات السودانيين إلى الحرية والتغيير، وظلت حاضرة في الذاكرة والوجدان عبر الأجيال. وفي المقابل، أفرزت انتفاضتا أبريل 1985 وديسمبر 2018 تجارب نضالية وإبداعية ارتبطت بظروف سياسية واجتماعية وتقنية مختلفة. فما الذي منح أكتوبر هذه المكانة الاستثنائية في الوجدان الشعري والغنائي؟ وهل يعود ذلك إلى طبيعة اللحظة التاريخية، أم إلى عبقرية الشعراء والفنانين، أم إلى تفاعل عوامل ثقافية وسياسية واجتماعية أسهمت في تخليد منجزها الفني؟ ولماذا لم تحظَ أعمال الانتفاضتين اللاحقتين بالقدر نفسه من الرسوخ والامتداد؟
هذه التساؤلات نطرحها على عدد من الشعراء والمثقفين والناشطين لاستجلاء أبعاد العلاقة بين الانتفاضة والإبداع والذاكرة الوطنية.

استطلاع: المحرر الثقافي

⭕️جمعت أكتوبر بين ريادة الحدث السياسي وحضور جيل استثنائي من عمالقة الفن والشعر، ما منحها مكانة خاصة في الذاكرة والوجدان⭕️

يرى القيادي بحزب البعث والكاتب محمد ضياء الدين، في حديثه لـ«ثقافي الهدف»، أن انتفاضة أكتوبر 1964م تزامنت مع جيل استثنائي من عمالقة الفن والشعر، فاجتمع لها السبق السياسي والازدهار الإبداعي، وترسخت مكانتها في الذاكرة الوطنية. ويشير إلى أن الانتفاضات اللاحقة، ومنها أبريل وديسمبر، جاءت بعد أنظمة ديكتاتورية حاربت الفن وحاصرت حتى الأعمال التي خلّدت أكتوبر. ويضيف أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أسهم في سرعة تداول الأغنيات المرتبطة بانتفاضة ديسمبر، لكنه قلّل، في تقديره، فرص إنتاج أعمال كلاسيكية راسخة، في ظل تسارع الإيقاع وانتشار أغاني الراب. لذلك، لم يبلغ تأثير تلك الأغنيات في الذاكرة السمعية، برأيه، ما حققته أعمال أكتوبر.

⭕️«أُعيد إنتاج ردود الفعل والاستجابات نفسها على مختلف المستويات، مع اختلاف الأجيال واتساع نطاق الاحتجاج، لكن القيادة ظلت بيد الطليعة الاجتماعية والسياسية نفسها»⭕️
فيما يرى الصحفي والناقد عبدالله رزق أن أكتوبر أصبحت النموذج الذي تُقاس عليه الانتفاضات السودانية اللاحقة، مشيراً إلى تفاوت حضور الأعمال الغنائية المرتبطة بها، مقارنة بأغنيات وردي ومحمد الأمين. ويذهب إلى أن أكتوبر وأبريل وديسمبر، وفق تقييمه، لم تحقق أهداف الثورة بمعناها الجذري، المتمثل في تغيير بنية الواقع القائم، واكتفت بتغيير النظام الحاكم، ما قرّبها من الاحتجاج. ويعتقد أن محدودية التغيير أسهمت في تكرار الاستجابات الأدبية والفنية والسياسية ذاتها، رغم اختلاف الأجيال واتساع الاحتجاج ودخول قوى اجتماعية جديدة. لكنه يلفت إلى أن القيادة ظلت بيد الطليعة الاجتماعية والسياسية نفسها، وأن وعيها استمر في تحديد مسار الانتفاضات ونتائجها..

⭕️«أحسنوا تحويل الهتاف إلى نشيد، والدم إلى ذاكرة، والحلم إلى أغنية»⭕️
يعزو الشاعر محمد الحاج خلود أكتوبر إلى تضافر لحظتها التاريخية مع إبداع جيل من المثقفين والشعراء والفنانين، الذين حوّلوا الهتاف إلى نشيد، والتضحيات إلى ذاكرة، والأحلام إلى أغنيات. ويرى أن تزامن الانتفاضة مع العصر الذهبي للإذاعة السودانية وانبعاث الأغنية الوطنية الحديثة أتاح إنتاج أعمال لامست وجدان الوطن وعبرت عن هويته. وفي المقابل، جاءت انتفاضتا أبريل 1985 وديسمبر 2018 في عصر سريع تحكمه المنصات الرقمية وضجيج اللحظة العابرة. كما أسهمت تعقيدات المشهد السياسي والإحباطات اللاحقة في إضعاف فرص تحوّل رموزهما إلى أيقونات فنية خالدة. وبقيت أغنياتهما، في تقديره، أقل رسوخاً وعمقاً في الذاكرة من أعمال أكتوبر.

⭕️«أكتوبر كانت بكر الثورات، لذا كان الانفعال بها مدوياً وكان الحلم أكبر، إلا أن ما تلاها من إحباط أدى إلى ضعف الانفعال بما أعقبها من انتفاضات»⭕️
يرى الشاعر عصام عبدالسلام أن انتفاضة أكتوبر 1964م اكتسبت تأثيرها الاستثنائي لأنها كانت التجربة الأولى من نوعها في الوجدان الشعبي السوداني، الأمر الذي جعل التفاعل معها واسعاً، والأحلام المرتبطة بها كبيرة. ويعزو تراجع الانفعال بالانتفاضات اللاحقة إلى الإحباطات التي أعقبت أكتوبر، وما خلّفته من خيبات أضعفت التوقعات الشعبية تجاه التجارب الجديدة. ووفق هذا الرأي، لم تكن المسألة مرتبطة بغياب الحراك أو التضحيات في أبريل 1985 وديسمبر 2018، بقدر ما اتصلت بأثر التجربة الأولى وما أعقبها من تعثر في تحقيق الآمال. وقد انعكس ذلك، في تقديره، على مستوى التفاعل الوجداني مع الانتفاضات التالية.

⭕️«ظلت انتفاضة أكتوبر الأنشودة البكر التي صاغها جيل التأسيس الفني والسياسي الذهبي، فغدت علامة فارقة في الوجدان الثقافي والفني للبلاد⭕️
وترى الناشطة نهلة حسين أن انتفاضة أكتوبر 1964م تجاوزت أثرها السياسي لتصبح علامة بارزة في الوجدان الثقافي والفني السوداني، بفضل جيل التأسيس الذي جمع بين الريادة السياسية والإبداع. وتوضح أن الانتفاضة وجدت شعراء رواداً امتلكوا الوعي الفكري والقدرة على صياغة كلمات عميقة وبليغة، فحافظت أعمالهم على حضورها عبر الأجيال. كما أسهمت عبقرية كبار الملحنين والمغنين في ترسيخ تلك الأعمال وتحويلها إلى جزء من الذاكرة الوطنية. وتلفت حسين إلى أن أكتوبر كانت أول انتفاضة شعبية ناجحة في إسقاط نظام عسكري، بينما جاءت انتفاضتا أبريل 1985 وديسمبر 2018 في ظروف تقنية وسياسية واجتماعية أكثر تعقيداً وتشتتاً، أثّرت في امتداد إنتاجهما الفني.

⭕️تزامنت أكتوبر مع تلاحم فريد بين كبار الشعراء وعمالقة التلحين والغناء، لصياغة ملاحم وطنية رصينة بلغة جزلة وعميقة⭕️
تعزو الناشطة فاطمة إدريس نور الدائم خلود أكتوبر إلى جذور النضال الوطني، وريادتها في إسقاط الحكم العسكري بالعصيان المدني، وازدهار الأدب والفن في زمنها. وترى أن الانتفاضة امتداد لخبرة جيل الكفاح ضد الاستعمار، ونشأت في بيئة ثقافية وتربوية عززت الوعي بالهوية الوطنية. كما تزامنت مع تلاحم شعراء، بينهم الفيتوري ومحيي الدين فارس، وفنانين كبار، مثل محمد وردي، فظهرت ملاحم وطنية بلغة رصينة وعميقة. وفي المقابل، لم تحظَ انتفاضتا أبريل 1985 وديسمبر 2018، في تقديرها، بالمستوى نفسه من الخلود الفني، بسبب تشتت منصات التلقي وتسارع العصر الرقمي، إلى جانب التعقيدات السياسية والأزمات اللاحقة التي حدّت من استقرار المزاج العام ونضج الذاكرة الفنية.

⭕️أدركت ثورة ديسمبر 2018 العنصر المفقود في تأسيس الدولة، وهو الميثاق القيمي الذي تتوافق عليه المجتمعات، ليكون مرجعاً للانتماء والثقافة والتشريع⭕️
يربط الناشط يوسف صوصل مسار الانتفاضات السودانية بتراكم الوعي القيمي منذ أكتوبر 1964م، مروراً بأبريل 1985م، وصولاً إلى ديسمبر 2018م. ويوضح أن أكتوبر جاءت بعد ثماني سنوات من الاستقلال، في ظل استمرار بنية سياسية متأثرة بالثقافة الاستعمارية، رغم الطابع الوطني للسلطة. ويرى أن انتفاضة أبريل بحثت عن أسس جديدة للانتماء، لكن العسكر والإسلاميين أجهضوا تطلعاتها، فتحول الأدب، بحسب تقديره، من التعبير عن الحب والوفاء إلى الدعاية. أما ديسمبر، فيعتبر أنها طرحت الميثاق القيمي أساساً لتأسيس الدولة، وجسّدت ذلك في شعار «حرية، سلام، وعدالة»، بوصفه تعبيراً عن قيم جامعة تعلي مكانة الإنسان وتربط الانتماء بالثقافة والتشريع.

⭕️أصبحت أكتوبر ملهمة ومحفزة للشعوب تجاه طريق التحرر والانعتاق من قيود القهر والدكتاتورية⭕️
يرى الشاعر محمد عمر عبدالقادر أن أكتوبر تركت أثراً عميقاً في الذاكرة الوطنية، بفضل الأغنيات الخالدة التي تنافس على إبداعها فنانون، من بينهم محمد وردي ومحمد الأمين، إلى جانب مبادرات الشعراء هاشم صديق ومحمد المكي إبراهيم، صاحب «أكتوبريات». ويشير إلى أن الانتفاضة انطلقت من جامعة الخرطوم، حيث قاد الطلاب الحراك، وتجسدت رمزية التضحية في استشهاد أحمد القرشي طه. ويؤكد أن إرث أكتوبر ظل حاضراً في المواكب والندوات والاحتجاجات اللاحقة، مستشهداً بمشاركة السودانيين في احتجاجات 21 أكتوبر 2021م. ويضيف أن ديسمبر ستظل حاضرة في ذاكرة جيلها، وأن ما أنتجته من أدب وغناء سيبقى جزءاً من مستقبل السودان، رغم ما واجهته البلاد من انتكاسات سياسية.

⭕️خلّدت أكتوبر تلاحم النضال السياسي والإبداع الفني، ناقلةً قيم الحرية من جيل إلى آخر⭕️

ترى الناشطة د. ندى الصلحي أن انتفاضة أكتوبر 1964م جاءت ثمرة لتنامي الوعي وانتعاش الحياة الثقافية بعد الاستقلال، خصوصاً وسط الطلاب والطبقة الوسطى. وتوضح أن التنسيق بين الطلاب والعمال، عقب الندوة الشهيرة بجامعة الخرطوم والإضرابات العمالية، أسهم في توحيد الحراك الشعبي، بالتزامن مع تصاعد حركات التحرر الوطني وانتشار الفكر القومي العربي. وتجسدت إرادة السودانيين في المواكب المطالبة بإسقاط الحكم العسكري، وأصبح الشهيد أحمد القرشي طه رمزاً للتضحية والنضال. وتؤكد الصلحي أن أكتوبر لم تكن انتفاضة سياسية فحسب، بل صاحبتها نهضة ثقافية وفنية أنتجت قصائد وأغنيات وأناشيد خالدة، عبّرت عن تطلعات الشعب وأحلامه، وترسخت في الذاكرة الجماعية، ناقلةً قيم الحرية من جيل إلى آخر.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.